تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 493

مساهمون:

ص٤٩٣
فقال رجل ممّن حضرنا : إنّا كببناك على وجهك وطرحنا على ظهرك بارية ودسناك فما شعرت بشيء من ذلك ! وأتوني بسويق فقالوا لي : اشرب وتقيّأ ! فقلت : لست أفطر - يعني من الصيام - ثمّ جيء بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم « 1 » فحضرت صلاة الظهر ، فتقدّم ابن سماعة « 2 » فصلّى . فلمّا انفتل من الصلاة قال لي : صلّيت والدم يسيل في ثوبك . فقلت : قد صلّى عمر وجرحه يثعب « 3 » دما . وذكر ابن الجوزيّ بسنده إلى [ أبي الفضل ] عبيد اللّه بن عبد الرحمن الزهريّ قال : قال المروزيّ : قال لي أبو عبد اللّه ، وهو بين الهنتازين « 4 » : اخرج انظر أيّ شيء ترى ! ( قال ) فخرجت إلى رحبة دار الخليفة فرأيت خلقا من الناس لا يحصي عددهم إلّا اللّه ، والصحف والأقلام في أيديهم والمحابر في أذرعتهم . فقال لهم المروزيّ : أي شيء تعملون ؟ فقالوا : ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه . فدخل المروزيّ إلى أبي عبد اللّه وهو قائم بين الهنتازين فقال : رأيت قوما بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقوله فيكتبونه ، فقال : يا مروزيّ ، أضلّ هؤلاء كلّهم ؟ أقتل نفسي ولا أضلّ هؤلاء كلّهم . قال الحافظ أبو الفرج : قلت : هذا رجل هانت عليه نفسه في اللّه عزّ وجلّ كما هانت على بلال نفسه . وقد روينا عن سعيد بن المسيّب أنّه كانت عليه نفسه في اللّه تعالى أهون من نفس ذباب ، أو إنّما تهون عليهم أنفسهم لعلمهم العواقب ، فعيون البصائر ناظرة إلى المآل لا إلى الحال ، وشدّة ابتلاء الإمام أحمد دليل على قوّة دينه لأنّه قد صحّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أنّه قال : يبتلى الرجل على حسب دينه . فسبحان من أيّده وبصّره وقوّاه ونصره ! . وقد تقدّم كلام الإمام البيهقي بمعنى ذلك . وذكر ابن الجوزي أيضا بسنده إلى ميمون بن الأصبغ قال : كنت ببغداد فسمعت ضجّة فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : أحمد بن حنبل يمتحن . فأتيت منزلي فأخذت مالا له خطر ، فذهبت به إلى [ 4 ب ] من يدخلني إلى المجلس ، فأدخلوني ، فإذا بالسيوف قد جرّدت وبالرماح قد ركزت وبالتراس قد نصبت وبالسياط قد طرحت . فألبسوني قباء أسود ومنطقة وسيفا ، وأوقفوني حيث أسمع الكلام . فأتى أمير المؤمنين فجلس على كرسيّ ، وأتى بأحمد بن حنبل فقال له : وقرابتي من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأضربنّك بالسياط أو تقول كما أقول ! ثمّ التفت إلى جلّاد فقال : خذه إليك ! فأخذه . فلمّا ضرب سوطا قال : باسم اللّه . فلمّا ضرب الثاني قال : لا حول ولا قوّة إلّا باللّه . فلمّا ضرب الثالث قال : القرآن كلام اللّه غير مخلوق . فلمّا ضرب الرابع قال :
قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا
[ التوبة : 51 ] فضربه تسعة وعشرين سوطا . وكانت تكّة سراويله حاشية ثوب فانقطعت فنزل السراويل إلى عانته فقلت : الساعة ينهتك ! فرمى أبو عبد اللّه طرفه نحو السماء وحرّك شفتيه فما كان بأسرع من أن بقي السراويل لم ينزل « 5 » ( قال ميمون ) : فدخلت إلى أبي عبد اللّه بعد سبعة أيّام فقلت يا أبا عبد اللّه رأيتك يوم ضربوك قد انحلّ سراويلك فرفعت طرفك نحو السماء ورأيتك تحرّك شفيتك فأيّ شيء قلت ؟ قال : قلت : اللهمّ إني
هامش
( 1 ) إسحاق بن إبراهيم هو والي بغداد . ( 2 ) أبو عبد اللّه ابن سماعة ( ت 233 ) قاضي بغداد : تاريخ بغداد 5 / 341 ( 2859 ) . ( 3 ) ثعب بوزن فتح : سال . ( 4 ) الهنتازين في المخطوط بالمثنّاة الفوقيّة ، والهنبازين بالباء الموحّدة في أعلام النبلاء والمناقب 331 . ولعلّهما الخشبتان المنصوبتان لتعذيب الممتحنين . وهما في اللسان خشبتان يشبح - أي يمدّ - بينهما الرجل ليجلد . انظر « العقابان » ص 492 ه 3 . ( 5 ) في المناقب ( 331 ) : من أن ارتقى ولم ينزل .