علمه النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم والخلفاء الراشدون ولم يدعوا الناس إليه ، أفلا وسعك ما وسعهم ؟ ثمّ دعا عمّارا الحاجب فأمر أن يرفع عنه القيود ويعطيه أربعمائة دينار ويأذن له في الرجوع ، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد ولم يمتحن بعد ذلك أحدا « 1 » .
قال الحافظ أبو الفرج : وقد رويت لنا هذه القصّة على صفة أخرى ، وساق بسنده إلى صالح بن عليّ الهاشميّ قال : حضرت المهتدي باللّه أمير المؤمنين وقد جلس للنظر في أمور المتظلّمين في دار العامّة « 2 » فنظرت إلى قصص الناس تقرأ عليه من أوّلها إلى آخرها فيأمر بالتوقيع فيها وينشئ الكتاب عليها ويحرّر « 3 » ويختم وتدفع إلى صاحبها بين يديه ، فسرّني ذلك واستحسنت ما رأيت . فجعلت انظر إليه ففطن ونظر إليّ فغضضت عنه حتّى كان ذلك منّي ومنه مرارا ثلاثا ، إذا نظر غضضت وإذا شغل نظرت . فقال لي : يا صالح ! قلت : لبّيك يا أمير المؤمنين ! وقمت قائما . فقال : في نفسك شيء تحبّ أن تقوله ؟ قلت : نعم . قال : عد إلى موضعك ، فعدت حتى إذا قام قال للحاجب : لا يبرح صالح .
فانصرف الناس ، ثمّ أذن لي فدخلت فدعوت له ، فقال لي : اجلس ! فجلست ، فقال لي : يا صالح ، تقول لي ما دار في نفسك أو أقول لك ما دار في نفسي ؟ فقلت : ما تأمر به يا أمير المؤمنين ، فقال :
أقول أنا : إنّه دار في نفسي أنّك استحسنت ما رأيت منّا فقلّت : أيّ خليفة خليفتنا إن لم يقل :
القرآن مخلوق ! ( قال صالح ) فورد على قلبي أمر
عظيم ، ثمّ قلت : يا نفس هل تموتين قبل أجلك ، وهل تموتين إلّا مرّة ؟ وهل يجوز الكذب في جدّ أو هزل ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، ما دار في نفسي إلّا ما قلت . فأطرق مليّا ثمّ قال : ويحك ، اسمع منّي ما أقول : فو اللّه لتسمعنّ الحقّ ! ( قال ) فسرّي عنّي وقلت : يا أمير المؤمنين ، ومن أولى بقول الحقّ منك وأنت خليفة ربّ العالمين وابن عمّ سيّد المرسلين ؟ فقال : ما زلت أقول : القرآن مخلوق صدرا من أيّام الواثق حتّى أقدم ابن أبي دؤاد علينا شيخا من أهل أذنة « 4 » أيّام الواثق ، فأدخل الشيخ على الواثق ، وهو جميل الوجه تامّ القامة حسن الشيبة ، فرأيت الواثق قد استحيى منه ورقّ له ، فما زال يقرّبه حتّى قرب منه ، فسلّم الشيخ وأحسن ، ودعا فأبلغ . فقال الواثق :
اجلس ! فجلس . فقال : يا شيخ ، ناظر أبا عبد اللّه - يعني ابن أبي دواد - على ما يناظرك عليه . فقال الشيخ : يا أمير المؤمنين ، إنّ ابن أبي دواد يصبأ « 5 » ويضعف عن المناظرة . فغضب الواثق وعاد مكان الرقّة له غضبا عليه وقال : ابن أبي دؤاد يصبأ ويضعف عن مناظرتك أنت ؟ فقال الشيخ : هوّن عليك يا أمير المؤمنين وائذن في مناظرته . فقال الواثق : ما دعوتك إلّا للمناظرة . فقال الشيخ : إن رأيت أن تحفظ عليّ وعليه ما نقول . فقال أفعل .
فقال الشيخ : يا أحمد ، أخبرني عن مقالتك هذه :
هي مقالة واجبة [ 5 ب ] داخلة في عقد الدين ، فلا يكون الذين كاملا حتّى يقال فيه بما قلت ؟ .
قال : نعم .
هامش
( 1 ) الرواية في المخطوط مضطربة ، وصوّبناها على نصّ أعلام النبلاء 11 / 313 .
( 2 ) دار العامّة ببغداد .
( 3 ) في المخطوط : ويجوز . والإصلاح من أعلام النبلاء 11 / 214 .
( 4 ) أذنة بالذال المعجمة : بلد بالثغور قرب المصيصة ( ياقوت ) .
( 5 ) يصبأ : يخرج من دين إلى دين ، أو يدخل في دين الصابئة .
وفي أعلام النبلاء 11 / 314 : نصّبوا ابن أبي دواد ، وفي المناقب ( 353 ) : يقلّ ويصبأ ويضعف . . .