تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 494

مساهمون:

ص٤٩٤
أسألك باسمك الذي ملأت به العرش : إن كنت تعلم أنّي على الصواب فلا تهتك لي سترا . وفي رواية أنه قال : يا من لا يعلم العرش منه أين هو إلّا هو ، إن كنت على الحقّ فلا تبد عورتي ، اه . وذكر البيهقي أنّه لمّا ضرب أوّل سوط قال : باسم اللّه ، وفي الثاني قال : توكّلت على اللّه ، وهذا في رضى اللّه . وفي الثالث قال : ما شاء اللّه كان وكلّ شيء بمقدار وفي الرابع قال : لا حول ولا قوّة إلّا باللّه . وفي الخامس قال : يا أمير المؤمنين إنّك موقوف ومسائل عنّي بين يدي ربّ لا يظلم ويأخذ للمظلوم من الظالم . وفي السادس قال : يا أمير المؤمنين سألتك باللّه والدار الآخرة ! ( قال ) وهو لا يرفع رأسه إليه . وفي السابع قال : اذكر الوقوف بين يدي اللّه كوقوفي بين يديك لا تستطيع منعا ولا عن نفسك دفعا . فلمّا ضربه الثامن اضطرب المئزر في وسطه . قال المروزي ، وعبّاس بن مسكويه الهمدانيّ : لقد رأينا أحمد رفع رأسه إلى السماء وحرّك شفتيه ، فما استتمّ الدعاء حتّى رأينا كفا من ذهب قد خرج من تحت مئزره فردّ المئزر إلى موضعه بقدرة اللّه تعالى فضجّت العامّة وهمّوا بالهجوم على دار السلطان ، فأمر بحلّه . قال المروزيّ وابن مسكويه : فدخلنا على أبي عبد اللّه فقلنا : أيّ شيء كان تحريك شفتيك عند اضطراب المئزر ؟ قال : رفعت بصري إلى السماء وناديت : يا غياث المستغيثين ويا إله العالمين ، إن كنت تعلم أنّي قائم بحقّ فلا تهتك عورتي ! فاستجاب اللّه دعائي . ( قال ) فكان إسحاق بن إبراهيم يقول : أنا واللّه رأيت يوم ضرب أحمد وقد ارتفع السراويل من بعد انخفاضه وانعقد من بعد انحلاله ، وما رأيت يوما كان أعظم على المعتصم من ذلك اليوم ، واللّه لو لم يرفع عنه الضرب لم يبرح من مكانه إلّا ميتا ، اه . كلام البيهقيّ . ورأيت في بعض التواريخ أنّ الخليفة المعتصم أخذه عقب ذلك صفار ، وكان ينتبه من الليل مذعورا ، وربّما سمع وهو يقول : ما لي ولأحمد ؟ كأنّه يعذّب ، إلى أن مات . وقال عبد اللّه ابن الإمام أحمد : كنت كثيرا [ ما ] أسمع والدي يقول : رحم اللّه أبا الهيثم ، غفر اللّه لأبي الهيثم ، عفا اللّه عن أبي الهيثم ! فقلت له : يا أبة ، من أبو الهيثم ؟ قال : ألا تعرفه ؟ قلت : لا . قال : لمّا أخرجت إلى السياط ومدّت يداي للعقابين « 1 » ، إذا أنا بإنسان يجذب ثوبي من ورائي ويقول لي : أتعرفني ؟ قلت : لا . قال : أنا أبو الهيثم العيّار اللصّ الطرّار « 2 » ، مكتوب في ديوان أمير المؤمنين أنّي صربت ثمانية عشر ألف سوط [ بالتفاريق ] وإنّما صبرت في ذلك على طاعة الشيطان لأجل الدنيا ، فاصبر أنت في طاعة الرحمن لأجل الدين ! .

فصل في ما وقع له رضي اللّه عنه بعد انقضاء المحنة

قال ابن أبي حاتم : سمعت أبا زرعة يقول : دعا المعتصم بإسحاق عمّ أحمد بن حنبل . ثمّ قال للناس : تعرفونه ؟ قالوا : نعم [ هو أحمد بن حنبل ] « 3 » . قال : فانظروا إليه ، أليس هو صحيح البدن ؟ ولولا أنّه فعل ذلك لوقع شرّ لا يقدر على دفعه . فلمّا قال : قد سلّمته إليكم صحيح البدن هدأ الناس وسكتوا . وكان ابن أبي دواد يحاول الخليفة على حبس
هامش
( 1 ) في المخطوط : وقدّمت للعقاب . وقد مرّت بنا العقابان والهنتازان . ( 2 ) الطرّار : السارق الذي يشقّ كمّ الرجل ويأخذ ما فيه ( اللسان ، والطرّ القطع ) . ( 3 ) الزيادة من أعلام النبلاء 11 / 259 .