مشفق ، وقد آلى أمير المؤمنين إن لم تجبه ليقتلنّك . فقلت له : ما عندي في هذا الأمر إلّا الأوّل - كذا نقل البيهقي .
ونقل ابن الجوزيّ أنّ إسحاق بن إبراهيم قال له : إنّ أمير المؤمنين لا يقتلك ، وقد آلى إن لم تجبه يضربك ضربا بعد ضرب ويلقيك في موضع لا ترى فيه شمسا . ثمّ قال إسحاق : اذهبوا به إلى أمير المؤمنين . قال أبو عبد اللّه : فذهبوا بي إلى دار المعتصم ، وأدخلت في حجرة ليلا وأغلق عليّ الباب وأقعد عليه رجلان ، وليس في المكان سراج . فأردت أن أتيمّم للصلاة فمددت يدي فإذا أنا بإناء فيه ماء وطست موضوع ، فتوضّأت وقمت أصلّي ولا أعرف القبلة فصلّيت . فلمّا أصبحت فإذا أنا أصبت القبلة . ثمّ جاء رسول المعتصم فقال : أجب ! فثقلت عليّ القيود وكدت غير مرّة أخرّ على وجهي . فأخرجت تكّة سراويلي وشددت بها القيود أحملها ، وعطفت سراويلي من غير تكّة . ثمّ مشيت إلى أن دخلت عليه والتكّة بيدي أحمل بها الأقياد ، فإذا هو جالس وابن أبي دواد حاضر وقد جمع خلقا كثيرا من أصحابه ، منهم أبو عبد الرحمن الشافعيّ « 1 » وغيره . فلمّا نظر إليّ المعتصم سمعته يقول لهم كالمنكر عليهم : أليس قد زعمتم أنّه حدث السنّ ؟ هذا شيخ مكتهل . فلمّا دنوت سلّمت . فقال لي المعتصم : ادن ! ولم يزل يدنيني حتى قربت منه . ثمّ قال : اجلس ! فجلست وقد أثقلتني الأقياد ، فمكثت قليلا ثمّ قلت : يا أمير المؤمنين [ 3 ب ] ائذن لي في الكلام . فقال : تكلّم ! فقلت : إلام دعا اللّه ورسوله - وفي رواية : إلام دعا إليه ابن عمّك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ قال : إلى شهادة أن
لا إله إلّا اللّه . ثمّ قلت : إنّ جدك ابن عبّاس يقول : لمّا قدم وفد عبد القيس على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سألوه عن الإيمان فقال : أتدرون ما الإيمان باللّه ؟
قالوا : اللّه ورسوله أعلم . قال : شهادة أن لا إله إلا اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه ، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تعطوا الخمس من المغنم . فإلام أدعى وهذه شهادتي وإخلاصي بالتوحيد ؟ فقال المعتصم : لولا أنّي وجدتك في يد من كان قبلي ما عرضت لك . ثمّ قال لعبد الرحمن بن إسحاق « 2 » :
ألم آمرك أن [ ترفع ] المحنة ؟ قال أبو عبد اللّه :
فقلت : اللّه أكبر ! إنّ في هذا لفرجا للمسلمين .
ثمّ قال المعتصم للحاضرين : ناظروه ! ثمّ قال لعبد الرحمن : كلّمه ! فقال لي عبد الرحمن : ما تقول في القرآن ؟ فسكتّ ، فقال لي المعتصم :
أجبه ! فقلت له : ما تقول في علم [ اللّه . . . ] قلت لعبد الرحمن : القرآن من علم اللّه عزّ وجلّ ومن زعم أنّ علم اللّه مخلوق فقد كفر باللّه . فسكت عبد الرحمن ، فقال [ الجماعة ] للمعتصم : يا أمير المؤمنين أكفرنا وأكفرك ! فلم يلتفت إلى ذلك منهم . فقال لي عبد الرحمن : كان اللّه ولا قرآن فقلت سبحان اللّه ! ولا علم ؟ فأمسك ، ولو زعم أنّ اللّه كان ولا علم لكفر .
قال أبو عبد اللّه : واحتجّوا عليّ بحديث عمران بن حصين « 3 » إنّ اللّه عزّ وجلّ خلق الذّكر ، والذكر هو القرآن . فقلت : هذا خطأ ، حدّثنا غير واحد أن اللّه عزّ وجلّ كتب الذّكر .
واحتجّوا عليّ بحديث ابن مسعود : وما خلق اللّه من جنّة ولا نار ، ولا سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسيّ . قال أبو عبد اللّه : فقلت : إنّما وقع الخلق على الجنّة والنار ، والسماء والأرض ، ولم
هامش
( 1 ) أبو عبد الرحمن الشافعيّ : هو ابن بنت الإمام الشافعي كما جاء في أعلام النبلاء 11 / 240 في هامش 1 للمحقّقين .
( 2 ) عبد الرحمن بن إسحاق قاضي بغداد .
( 3 ) عمران بن حصين الخزاعيّ الصحابيّ : أسد الغابة 4042 .