تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 492

مساهمون:

ص٤٩٢
ثم خلا بهم . وكان المعتصم لا يعلم [ 4 أ ] ويظن إلا أنّ القول قولهم « 1 » . ثمّ نحّاهم وردّني إليه وقال : ويحك يا أحمد ، أجبني حتّى أطلق عنك بيدي ، إني واللّه لأشفق عليك كشفقتي على هارون ابني . فرددت عليه نحوا ممّا كنت أردّ قبل ذلك فغضب ولعن وقال : لقد طمعت فيك أن تجيبني ، خذوه واسحبوه وخلّعوه ! قال أبو عبد اللّه : وكان معي شعر من شعر [ رسول اللّه ] صلّى اللّه عليه وسلم أعطانيه الفضل بن الربيع ، وكان في صرّة من قميصي . فقالوا : انزعوا منه قمصيه ولا تخرقوه . ثمّ قال : ما هذا في ثوبك ؟ فقالوا لي : ما هذا في ثوبك ؟ قلت : هذا شعر من شعره صلّى اللّه عليه وسلم . قال صالح : قال أبي : فظننت أنّه إنّما [ درىء ] « 2 » عن قميصي الخرق بسبب الشعر الذي كان فيه . قال أبو عبد اللّه : وجعلت بين العقابين « 3 » فقلت : يا أمير المؤمنين إنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال : لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه وأنّي رسول اللّه إلا بإحدى [ ثلاث ] ، وقال « 4 » رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا : لا إله إلا اللّه ، فإذا قالوها عصمت دماؤهم وأموالهم ، فبم تستحلّ دمي ولم آت شيئا من هذا يا أمير المؤمنين ؟ أذكر وقوفك بين يدي اللّه عزّ وجلّ كوقوفي بين يديك ، يا أمير المؤمنين ، راقب اللّه ! فلمّا رأى المعتصم ثبوت أبي عبد اللّه وتصميمه [ . . . ] اللّه فخشي ابن أبي دؤاد من رأفته عليه فقال : يا أمير المؤمنين ، إن تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله وأنّه غلب خليفتين ، فهاجه ذلك وطلب كرسيّا جلس عليه ، وقام ابن أبي دؤاد وأصحابه على رأسه . ثم قال للجلّادين : أروني أسياطكم ! فنظر إليها ، ثم قال : ائتوني بغيرها ! فأتوه بغيرها . ثم قال : تقدّموا ! فيتقدم الرجل منهم فيضربني سوطين فيقول المعتصم : شدّ ، قطع اللّه يدك ! ثم يتنحّى ، ثم يتقدم الآخر فيضربني سوطين ، وهو في كلّ ذلك يقول : شدّوا ، قطع اللّه أيديكم ! فلمّا بلغ تسعة عشر سوطا قام الخليفة إليّ ثم قال : يا أحمد ، علام تقتل نفسك ؟ واللّه إنّي عليك شفيق . فجعل عجيف ينخسني بقائم سيفه وقال : تريد أن تغلب هؤلاء كلّهم ؟ وجعل بعضهم يقول : ويلك ! الخليفة على رأسك قائم ! وبعضهم يقول : يا أمير المؤمنين ، دمه في عنقي ، أقتله ! وجعلوا يقولون : يا أمير المؤمنين ، أنت صائم ، وأنت في الشمس قائم . فقال لي : ويحك يا أحمد ، ما تقول ؟ فأقول : أعطوني شيئا من كتاب اللّه عزّ وجلّ أو سنّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم حتى أقول به . ( قال ) : ثم رجع فجلس ، ثم قال للجلّاد : تقدّم ، أوجع ، قطع اللّه يدك ! ثم قام الثانية فقال : يا أحمد ، أجبني ! فجعلوا يقولون لي : ويلك ! إمامك أمير المؤمنين قائم على رأسك ! فقال المعتصم : أجبني إلى شيء لك فيه أدنى فرج حتّى أطلق عنك بيدي ! فقلت : يا أمير المؤمنين ، أعطوني شيئا من كتاب اللّه أو سنّة رسوله صلّى اللّه عليه وسلم حتى أقول به . ثم رجع فجلس ، فقال للجلّادين : تقدّموا ! فيتقدّم الجلّاد فيضربني سوطين ويتنحّى وهو في خلال ذلك يقول : شدّ قطع اللّه يدك ! قال أبو عبد اللّه رضي اللّه عنه : فذهب عقلي . ثم أفقت ، فإذا الأقياد قد أطلقت عنّي ،
هامش
( 1 ) الفقرة غامضة وهي ساقطة من أعلام النبلاء . ( 2 ) درأ : دفع وصدّ وأبعد . والمعنى هنا أنه صان القميص عن الخرق ببركة شعرات الرسول صلّى اللّه عليه وسلم . ( 3 ) العقابان : خشبتان يمدّ بينهما السجين ليعذب ( اللسان ) وتسميان أيضا : الهنبازين بالباء أو الهنتازين بالتاء انظر ص 493 ه 4 ، وانظر قادما ج 5 / 84 ه 1 . ( 4 ) الحديث مبتور . والخصال الثلاث هي قتل النفس ، والزنا بعد إحصان والردّة ( روته عائشة رضي اللّه عنها ) . والزيادة من أعلام النبلاء .
المقفى الكبير — صفحة 492 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي