تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
ثم أدخله فساروا حتى انتهوا إلى جزيرة في البحر . فقال صاحب السفينة : واللّه لأنظرنّ من أين يعطيني . هل خبّأ ههنا شيئا ؟ فقال : يا صاحب الدينارين ، أعطني حقّي ! قال : نعم . فخرج ، فمضى وتبعه الرجل وهو لا يدري ، فانتهى إلى آخر الجزيرة فركع . فلما أراد أن ينصرف قال ، وهو ساجد : يا ربّ ، إن هذا قد طلب مني حقّه الذي عليّ فأعطه عنّي ! فرفع رأسه فإذا ما حوله دنانير ، وإذا الرجل ، فقال : جئت ؟ خذ حقّك ولا تزد ، ولا تذكرها ! ومضوا ، فأصابتهم عجاجة وظلمة وأحسّوا بالموت . فقال الملّاح : أين صاحب الدينارين ؟ أخرجوه ! فجاءوه فقالوا : ما ترى ما نحن فيه ؟ ادع اللّه معنا ! فرفع يديه ، وأرخى عينيه وقال : يا ربّ قد أريتنا قدرتك ، فأذقنا برد عفوك ورحمتك ! فسكنت العجاجة ، وساروا . وفي رواية أنه قال : يا حيّ حين لا حيّ ، ويا حيّ قبل كلّ حيّ ، يا قيّوم ، يا محسن ، يا مجمل ، قد رأيتنا قدرتك فأرنا عفوك ! فهدأت السفينة من ساعته . وكان مرة في مركب في البحر فعرّج عليهم العدوّ ، فرمى هو ورجل آخر أنفسهما إلى البحر نحو العدوّ فانهزم العدوّ . وكان إذا غزا اشترط على رفقائه الخدمة والأذان . فأتاه رفقاؤه يوما وقالوا : يا أبا إسحاق إنّا عزمنا على الغزو . ولو علمنا أنك تأكل من متاعنا ، لسررنا بذلك . فقال : أرجو أن يصنع اللّه . ثم قال : أستقرض من فلان ؟ فلان ، لا تخف عليه فلان مرابي ! ثم خرّ ساجدا وصبّ دموعه على خديه ثم قال : وا سوأتاه ! طلبت من العبيد وتركت مولاي « 1 » ! فأحسن ما يقول العبد : إنما دفع إليّ مولاي مالا ، فإن أمرني أن أعطيك فعلت . فأرجع إلى المولى بعد ما بذلت وجهي للعبيد . أليس يقول المولى لي : كان أحقّ أن تطلب مني ، لا من غيري ؟ وا سوأتاه ! ثم خرج إلى الساحل فتوضّأ وصلّى ركعتين ، ثم نصب رجله اليمنى مستقبلا القبلة ثم قال : اللهمّ قد علمت ما كان وقع في نفسي ، وذلك بخطئي وجهلي ، فإن عاقبتني عليه ، فأنا أهل ذلك ، وإن عفوت عني فأنت أهل ذلك وقد عرفت حاجتي . فوقع في نفسه أن ينظر عن يمينه فإذا نحو من أربعمائة دينار ، فتناول منها دينارا . ثم عاد إلى أصحابه فأنكروه وسألوه عن حاله فكتمهم زمانا . ثم أخبرهم فقالوا : إن كنت تريد الغزو وقد خرج لك ما ذكرت ، فهلّا أخذت منه ما تقوى به على الغزو ؟ فقال : أتظنّون أن اللّه لو أراد أن لا يخرج إلا الذي اطّلع عليه من ضميري ل [ ما ] فعل ؟ ولكن أخرج إليّ أكثر مما اطّلع عليه من ضميري ليختبرني . واللّه لو أنها عشرة آلاف ما أخذت منها إلا الذي اطّلع عليه من ضميري . وقال عبد اللّه بن الفرح : كان إبراهيم بن أدهم بالشام يأكل الزيتون ويطرح نوى التمر . وكان بمكة فجاع فاستفّ الرمل فصار في فيه دقيقا . وكان ذات « 2 » يوم على شاطئ البحر فجعل
هامش
( 1 ) في المخطوط : مولاهم ، والإصلاح من الحلية 8 / 6 . ( 2 ) في المخطوط : ذلك .
المقفى الكبير — صفحة 52 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي