ثمّ نقل المقدّم عنبر ومن معه من المماليك إلى غزّة .
فقدم عليه الأمير قطلوبغا « 1 » الفخريّ مقيّدا فسجنه مع طشتمر حمّص أخضر . وأخذ في تحصين الكرك . وقتل قطلوبغا وطشتمر فتنكّرت قلوب الأمراء له ، وكتب إليه نائب الغيبة يخبره بفساد الأحوال بمصر ونفاق عربان الصعيد والخوف من قيام المماليك وعملهم فتنة ، فلم يلتفت لذلك ، وكتب إليه بأنّ المملكة لي أقيم حيث شئت ، فاتّفق أمراء الشام ومصر على خلعه .
[ خلعه لسوء سيرته ] :
وخلعوه في يوم الأربعاء ثاني عشرين المحرّم سنة ثلاث وأربعين . فكانت مدّته ثلاثة أشهر وثلاثة عشر يوما ، منها إقامته بالكرك نحو أحد وخمسين يوما ، وبقلعة الجبل شهرين وأيّاما .
وكانت سيرته قبيحة ، أنكر عليه فيها أشياء ، منها أنّ رسله التي ترد على الأمراء إنّما هم أوباش أهل الكرك . ومنها سوء سيرة خاصّته من الكركيّين بمصر ، وشرههم في أخذ البراطيل ، وتحكّمهم على أهل الدولة . ومنها كثرة تحجّبه على الأمراء ، بحيث لا يمكن [ ل ] أحد منهم أن يراه سوى يومي الاثنين والخميس بدار العدل فقط . ومع ذلك فإنّه ساق أغنام أبيه وأغنام قوصون - وعدّتها أربعة آلاف رأس - إلى الكرك ، وساق الأبقار التي انتخبها أبوه عنده بالقلعة أيضا ، وهي أربعمائة رأس . وحمل الطيور التي بالأحواش من القلعة على رؤوس الحمّالين إلى الكرك ، وأخذ جميع ذخائر السلطنة ، وفعل أفعال المبرسمين « 2 » ومن لا [ 49 أ ] عقل له .
ولمّا استقرّت السلطنة لأخيه الصالح إسماعيل ، كتب إليه على يد الأمير قبلاي بالسلام عليه والتودّد له ، ويعلمه بأنّ الأمراء إنّما أقاموه في السلطنة لأنّها تعلم أنّ الأخ لا رغبة له في ملك مصر ، وأنّه يحبّ بلاد الكرك ، وأنّها بحكم الأخ وملكه . وطلب منه أن يبعث إليه القبّة والطير والغاشية والنمجاة . فلم يجب إلى ذلك « 3 » .
[ محاربة إسماعيل السلطان الجديد له ] :
فتوجّه في أوّل ربيع الآخر الأمير بيغرا ، وصحبته عشرة من الأمراء الطبلخاناه لحصار الكرك . وكتب إلى أحمد بالإنكار عليه ، وأنّه أخذ أموال المسلمين ، ومال بيت المال ، وأنّه إن لم يبعثه وإلّا هدمت الكرك عليه حجرا حجرا . وكتب بمسير عسكر الشام إليه . فتوافوا جميعا وحصروا المدينة وقاتلوا أهلها ودخلوا المدينة . فكتب أحمد إلى الأمراء بكفّهم عن قتاله ، وأنّه يكتب إلى أخيه أن يبعث من يتسلّم منه القلعة ، ويتوجّه بكفنه في عنقه إليه . فمشى ذلك عليهم ورجعوا عن قتاله . فاستعدّ عند ذلك لقتالهم . وبلغ ذلك أمراء مصر ، فكتب بخروج ألفي فارس من الشام تقوية للعسكر على قتال أحمد . وكثرت الوقائع بينهم وبينه إلى أن أعياهم الأمر ورحلوا عنه . وقدم بيغرا بمن معه إلى القاهرة في سادس عشر رجب .
وجرّد إليه الأمير بيبرس الأحمديّ ، والأمير كوكاي في ألفّي فارس ، فسارا في عاشر شعبان ، ونزلوا على الكرك ، ونصبوا عليها المنجنيق فهدم مواضع . وخرجت تجريدة أخرى في سابع محرّم سنة أربع وأربعين صحبة الأمير أصلم ، ثمّ خرج الأمير جنكلي بن البابا ، والأمير أقسنقر الناصريّ
هامش
( 1 ) في المخطوط : الطنبغا ، وهو سهو من الناسخ ( السلوك 2 / 610 و 517 - والنجوم 10 / 68 ) .
( 2 ) البرسام : التهاب يصيب الكبد والقلب . وينجرّ عنه الهذيان . والمبرسم هنا : المعتوه .
( 3 ) الكاتب هو السلطان الجديد عماد الدين إسماعيل ، والمكتوب إليه هو أحمد المخلوع ( السلوك 2 / 620 ) .