تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
قلت : على ما ذا أركب ؟ قال : يا أخي ، على عنقي . فحملني على عنقه ثلاث منازل . وقال إبراهيم بن بشّار [ الرطابي : بينا ] أنا وإبراهيم ابن أدهم ، وأبو يوسف الغسوليّ ، وأبو عبد اللّه السنجاريّ ، نريد الإسكندرية ، فمررنا بنهر الأردن فقعدنا نستريح . وكان مع أبي يوسف كسيرات يابسات ، فألقاها بين أيدينا فأكلنا وحمدنا اللّه . فقلت : « أسعى أتناول ماء لإبراهيم » . فبادر إبراهيم فدخل النهر حتى بلغ الماء إلى ركبتيه ، فمال بكفّيه في الماء فملأهما ثمّ قال : باسم اللّه - وشرب الماء . ثمّ إنه خرج من النهر ومدّ رجليه وقال : يا أبا يوسف ، لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم والسرور ، لجالدونا بالسيوف أيام الحياة على ما نحن فيه من لذيذ العيش وقلّة التعب . فقلت : يا أبا إسحاق ، طلب القوم الراحة والنعيم فأخطئوا الطريق المستقيم . فتبسّم ، ثمّ قال : من أين لك هذا الكلام ؟ وقال خلف بن تميم : سمعت إبراهيم بن أدهم يقول : رآني ابن عجلان فسجد . وقال : أتدري لم سجدت ؟ قلت : لا . قال : سجدت شكرا للّه حين رأيتك . وقال شقيق بن إبراهيم [ البلخيّ ] : قلت لإبراهيم بن أدهم : تركت خراسان ؟ فقال : ما تهنّأت بالعيش إلّا في الشام ، أفرّ بديني من شاهق إلى شاهق . فمن يراني يقول : موسوس ، ومن رآني يقول : حمّال . يا شقيق ، لم ينبل عندنا من نبل بالحجّ ولا بالجهاد ، إنّما نبل من كان يعقل ما يدخل في جوفه من حلّه . وقال خلف بن تميم عن إبراهيم بن أدهم قال : قدمت الشام من أربع وعشرين سنة ، ما جئت لرباط ولا لجهاد . فقلت : لم جئت ؟ قال : جئت لأشبع من خبز الحلال . وعن إبراهيم أنّه قال : الزهد ثلاثة : زهد فرض ، وزهد فضل ، وزهد سلامة ، فالأوّل : الزهد في الحرام . والثاني : الزهد في الحلال . والثالث : الزهد في الشبهات . وقال : الحزن حزنان : حزن لك وحزن عليك . فالأوّل ، حزنك على الآخرة . والثاني حزنك على الدنيا .

[ الكلام النافع ] :

وقال أبو إسحاق الفزاري : كان إبراهيم بن أدهم يطيل السكوت ، فإذا تكلّم ربما انبسط . فأطال ذات يوم السكوت ، فقلت له : لو تكلّمت ؟ فقال : الكلام على أربعة أوجه : فمن الكلام كلام ترجو منفعته وتخشى عاقبته ، فالفضل في هذا ، والسلامة منه . ومن الكلام كلام ترجو منفعته ولا تخشى عاقبته . فأقلّ ما لك في تركه خفّة المؤونة على بدنك ولسانك . ومن الكلام كلام لا ترجو منفعته ولا تأمن عاقبته . فهذا قد كفي العاقل مؤونته . ومن الكلام كلام ترجو منفعته وتأمن عاقبته . فهذا يجب نشره . فقيل لأبي إسحاق : أراه قد أسقط ثلاثة أرباع الكلام . قال : نعم . وعن إبراهيم بن أدهم قال : أعربنا في الكلام
المقفى الكبير — صفحة 35 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي