تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
فوقفت انظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا . قلت : لعن اللّه إبليس ! - وحرّكت فرسي ، فسمعت نداء أجهر من الأولى : يا إبراهيم ، ليس لهذا خلقت ، ولا بهذا أمرت . فوقفت مستمعا انظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا ، فقلت : لعن اللّه إبليس ! - ثم حرّكت فرسي . فسمعت من قربوس سرجي : يا إبراهيم بن أدهم ، واللّه ما لهذا خلقت ، ولا بهذا أمرت . فوقفت وقلت : هيهات هيهات « 1 » ! جاءني النذير من ربّ العالمين ، واللّه لا عصيت ربّي بعد يومي هذا ما عصمني ربّي ! . فتوجّهت إلى أهلي فخلّيت فرسي . فجئت إلى بعض رعاة أبي فأخذت منه جبّته وكساءه ، وألقيت ثيابي إليه ، فلم أزل أرض تضعني وأرض ترفعني حتّى صرت إلى بلاد العراق ، فعملت بها أياما ، فلم يصف لي شيء من الحلال . فسألت بعض المشايخ عن الحلال ، فقال : إن أردت الحلال فعليك ببلاد الشام .

[ اشتغاله بحراسة البساتين بالشام ] :

فصرت إلى مدينة يقال لها المنصورة - وهي المصيصة - فعملت بها أيّاما ، فلم يصف لي شيء من الحلال . فسألت بعض المشايخ عن الحلال فقال : إن أردت الحلال ، فعليك بطرسوس ، فإنّ بها المباحات والعمل الكثير . فبينا أنا كذلك قاعد على باب البحر [ إذ ] جاءني رجل فاكتراني أنطر له بستان [ ا ] . فتوجّهت معه فمكثت في البستان أيّاما كثيرة . فإذا أنا بخادم قد أقبل ، ومعه أصحاب له - ولو علمت أنّ البستان لخادم ، ما نطرته - فقعد في مجلسه هو وأصحابه فقال : « يا ناطور ! يا ناطور ! » فأجبته ، فقال : اذهب فائتنا بخير رمّان تقدر عليه وأطيبه . فأتيته . فأخذ الخادم رمّانة فكسرها فوجدها حامضة فقال : يا ناطور ، رأيت منذ كذا وكذا تأكل من فاكهتنا ورمّاننا ، ما تعرف الحلو من الحامض ؟ قلت : واللّه ما أكلت من فاكهتكم شيئا [ 10 ب ] ولا أعرف الحلو من الحامض . فغمز الخادم أصحابه وقال : « أما تعجبون من كلام هذا ؟ » وقال لي : تراك لو كنت إبراهيم بن أدهم ، [ ما ] زدت على هذا ! . فلمّا كان الغد ، حدّث الناس في المسجد بالصفة وما كان . فجاء الناس عنقا « 2 » إلى البستان . فلمّا رأيت كثرة الناس ، اختفيت ، فالناس داخلون ، وأنا هارب منهم . فهذا ما كان من أوائل أمري .

[ إسراؤه إلى الحجّ ] :

وقال عبد اللّه بن نوح : حدّثني إبراهيم بن أدهم بابتدائه كيف كان ، قال : كنت يوما في مجلس لي له منظرة إلى الطريق ، فإذا أنا بشيخ عليه أطمار ، وكان يوم [ ا ] حارّ [ ا ] . فجلس في فيء القصر ليستريح . فقلت للخادم : اخرج إلى هذا الشيخ فاقرأه منّي السلام ، وسله أن يدخل إلينا ، فقد أخذ بمجامع قلبي . فخرج إليه ، فقام معه ، فدخل إليّ وسلّم . فرددت عليه السلام واستبشرت بدخوله ، وأجلسته بجانبي ، وعرضت عليه الطعام ، فأبى أن يأكل . فقلت له : من أين أقبلت ؟ قال : من وراء النهر . قلت : أين تريد ؟ قال : الحجّ إن شاء اللّه - وكان ذلك أوّل من
هامش
( 1 ) في الحلية 7 / 388 : ابهت أنبهت ! ( 2 ) العنق : الجماعة .