تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
السفاتج ولم تظهر تفرقته ألفي ألف دينار ومائتي ألف دينار . ولمّا فرّق أبو الجيش كسوة أبيه أحمد بن طولون في حاشيته لم يخل ثوب منها من إرفاء ، ووجد في بعضها رقعة . ووقع بدمشق وهو بها ، حريق . فركب إليه ومعه أبو زرعة عبد الرحمن ، وعمرو ، وأبو عبد اللّه أحمد بن محمد الواسطيّ كاتبه حتّى طفئ الحريق . ثمّ أمر بإخراج سبعين ألف دينار من ماله فرّقت فيمن احترق له شيء ، وقبل قول من ادّعى تلاف شيء ، ولم يحلّفه ، يجري ذلك على يد أحمد بن محمد الواسطيّ بحضرة شيوخ دمشق ، ففضل من المال فضلة صالحة ، فأمر أحمد بن طولون بها ففرّقت على أصحاب الحريق بقدر سهامهم . ثمّ أمر بمال عظيم ففرّق في فقراء أهل دمشق وفقراء الغوطة والنواحي ، فأقلّ ما نال الواحد دينار .

[ حزمه وجدّه ] :

وكان يقول : ينبغي للرئيس أن يجعل افتقاده على نفسه ، وتسامحه على حاشيته وقاصديه ، فإنّه يملكهم ملكا لا يزول به عن قلوبهم ، ولا تفسد معه سرائرهم . وكان قويّ الفكر كثير السهوة من استغراقه في أموره ، حتى إنّه دعا مرّة بالطشت ليتوضّأ بالعتمة ، ومدّ يده فأكبّ الغلام بالإبريق ليصبّ عليه . وشخص أحمد بن طولون إلى الشمعة فلم يزل ممدود اليد ، ناظرا إلى الشمعة ، غائبا في فكر ، والغلام [ ينظر ] ، إلى أن أذّن المؤذّن لصلاة الصبح ، فكأنّه انتبه ، وقال : يا هذا ، فاتتنا واللّه العتمة ! - وسقط الغلام من قامته ، وأقام عليلا مدّة . وكان يحبّ فعل الخير . فاتفق أنّه انصرف مرّة من ناحية حلوان في يوم شديد الحرّ . فانفرد عن عسكره وحده ، ومرّ على مسجد الأقوام وفيه خيّاط ، وقد بلغ منه العطش مبلغا كبيرا . فقال : يا خيّاط ، عندك ماء ؟ فأخرج له كرّازا « 1 » وقال له : اشرب ولا تمدّ ! فتبسّم أحمد بن طولون وشرب ومدّ فيه حتى شرب أكثره . وناوله الكرّاز [ 90 ب ] وقال : يا فتى ، سقيتنا وقلت : لا تمدّ فيه ! فقال : نعم ، أعزّك اللّه ، موضعنا منقطع ، وأنا أخيط جمعتي حتّى أجمع ثمن راوية . فقال : والماء عندكم معوز ؟ قال : نعم . فمضى أحمد حتّى [ إذا ] جلس في داره أحضر الخيّاط فقال له : صر مع المهندسين حتى يخطّوا عندك موضع سقاية ويجروا الماء . وهذه ألف دينار ، خذها وابتدئ في الإنفاق . وأجرى على الخيّاط في كلّ شهر عشرة دنانير ، وقال له : بشّرني ساعة يجري الماء فيها . فلمّا كملت السقاية وجرى الماء ، أتاه الخيّاط بشيرا . فخلع عليه وحمله واشترى له دارا ليسكنها وأجرى عليه الرزق السنيّ . وكان في جملة أحمد بن طولون رجل فأعطاه برذونين . ثمّ أعطاه مرّة أخرى برذونين . فلزمه بسبب ذلك مؤونة ، وكان متحمّلا . فاتّفق أنّ أحمد بن طولون سخط على شخص وقال لجماعة مجلسه : أريد [ أن ] أعاقب فلان [ ا ] ، فإيش ترون أن أعاقبه ؟ فقال صاحب البراذين : أيّد اللّه الأمير ، ادفع
هامش
( 1 ) الكرّاز : كوز ضيّق الرأس .