تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 265

مساهمون:

ص٢٦٥
والذي عاملني الأمير به من محاولة صرفي مرّة وإسقاط رسمي ، وما يأتينيه ويسومنيه ، ناقض لشرطه مفسد لعهده . وقد التمس أوليائي وأكثروا الطلب في إسقاط اسمه وإزالة رسمه ، فآثرت الإبقاء وإن لم يؤثره ، واستعملت الأناة إذ لم تستعمل معي ، ورأيت الاحتمال والكظم أشبه بذوي المعرفة والفهم ، وصبّرت نفسي على أحرّ من الجمر ، وأمرّ من الصبر ، وعلى ما لا تتّسع له الصدور . والأمير ، أيّده اللّه ، أولى من أعانني على ما أؤثره من لزوم عهده ، وأتوخّاه من تأكيد عقده ، بحسن العشرة والإنصاف ، وكفّ الأذى والمضرّة ، وأن لا يضطرّني إلى ما يعلم اللّه عزّ وجلّ كرهي له ، [ و ] إلى أن أجعل ما أعددته لحياطة الدولة من الجيوش المتكاثفة ، والعساكر المتضاعفة التي قد ضرست رجالها من الحروب ، وجرت عليهم محن الخطوب ، مصروفا إلى نقضها . فعندنا في حيّزنا من ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من يرى أنّه أحقّ بهذا الأمر وأولى من الأمير . ولو أمنوني على أنفسهم ، فضلا عن أن يرجعوا مني إلى ميل [ لهم ] أو قيام بنصرتهم ، لاشتدّت شوكتهم ولصعب على السلطان معاركتهم . والأمير يعلم أنّ بإزائه منهم واحد [ ا ] قد كبر عليه ، وفضّ كلّ جيش أنهضه إليه ، على أنّه لا ناصر له إلّا لفيف البصرة وأوباش عامّتها . فكيف بمن يجد ركنا منيعا وناصرا مطيعا ؟ وما مثل الأمير في أصالة رأيه يصرف مائة ألف عنان عدّة له فيجعلها عدّة عليه ، بغير ما سبب يوجب ذلك ! . فإن يكن من الأمير إعتاب أو رجوع إلى ما هو أشبه به وأولى ، وإلّا رجوت من اللّه عزّ وجلّ كفاية أمره ، وحسم مادّة شرّه وإجراءنا في الحياطة على أجمل عادته عندنا ، والسلام .

[ تهديده باستقلال مصر عن الخلافة ] :

فلمّا وقف الموفّق على هذا الكتاب ، أقلقه قلقا شديدا وألزم موسى بن بغا بصرف أحمد بن طولون وتقليدها مأجور . فلم يرض مأجور . فخرج موسى يريد أن يدوس عمل المفوّض ليحمل منه الأموال ويتسلّم مصر من أحمد بن طولون ، فمات بالرقّة ، فكتب أحمد بن طولون إلى الموفّق : قد عجزت عن رضا الأمير أيّده اللّه ، وكلّما تقرّب [ ت ] إليه بعدت نيّته . ولا أعرف لذلك سببا إلّا نصيحتي وخالص طويّتي وكفايتي ونصرتي لأمير المؤمنين . وبحضرتي من ولد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من يرى نفسه لهذا الأمر أهلا وبه أحقّ . وقد جمع مع هذا السّتر والسماحة والولادة من رسول اللّه ، والعلم والشجاعة والطهارة . وقد حدّثته نفسه بالنهوض لولا ما يتّقيه من جهتي ، وكفّي له . والأمير يعلم أنّ دعيّا قام بالبصرة في أوباش ، وليس وراءه من يعينه مع قرب داره ، قد أتعبه هذه السنين ، وأنفق عليه بيوت الأموال ، وأفنى الرجال ، وهو على حاله وأفعاله إلى يومنا هذا . فكيف يعمل إن قام في ناحيتي من يدلّ بصحّة نسبه ، وحسن سيرته ، وكثرة علمه ، ووراءه وجوه الناس ، مع بعد داره ، وأنا من ورائه أعينه بالرجال والأموال ، وأسدّده بالرأي وقوّة الحال ؟ فإن كفّ الأمير عنّي أذاه ، وإلّا جعلت بلدي بلد خلافة ! وإنّما يوقفني عن ذلك رعاية حقّ أمير المؤمنين وحسن عهده . فغاض هذا الموفّق وقال : من يعمل لي في إشعال قلب ابن طولون ؟ فسرقت نعله من أحد بيوت خلواته التي لا يدخلها إلّا حظاياه وثقاته . فلمّا وصلت النعل إلى الموفّق بعثها إلى ابن طولون وقال [ 92 أ ] له الرسول الذي أحضرها : يقول لك الموفّق : من
المقفى الكبير — صفحة 265 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي