وواثب الجيزة القصوى فخندقها * وكاد يصعق من خوف ومن رعب
له مراكب فوق النيل راكدة * فما سوى القار للنّظّار والخشب
ترى عليها لباس الذلّ مذ بنيت * بالشطّ ممنوعة من عزّة الطلب
فما بناها لغزو الروم محتسبا * لكن بناها غداة الروع للهرب
وقال معدان « 1 » بن عمرو يمدح ابن طولون لمّا عزم على محاربة أبي أحمد الموفّق وفكّ أمير المؤمنين المعتمد على اللّه من إساره [ البسيط ] :
طال الهدى بابن طولون الأمير كما * يزهو به الدين عن دين وإسلام
فإذا الجيوش من الفسطاط يقدمها * فيه على الهول ماض غير محجام
في جحفل للمنايا في مقانبه * مكامن بين رايات وأعلام [ 89 ب ]
يسمو به من بني سام غطارفة * بيض ، وسود أسود من بني حام
لو أنّ روح ابن كنداج معلّقة * بالمشتري لم يفته أو ببهرام
حاط الخلافة والدنيا خليفتنا * بصارم من سيوف اللّه صمصام
يا أيّها الناس هبّوا ناصرين له * مع الأمير بدهم الخيل في اللام « 2 »
حتى يرى السيّد المأمون ذبّكم * عن الإمام بأطراف القنا الدامي
ليست صلاة مصلّيكم بجائزة * ولا الصّيام بمقبول لصوّام
وقال منصور « 3 » بن خليفة الهذليّ في ذلك أيضا [ الكامل ] :
يا غرّة الدنيا الذي أفعاله * غرر بها بين الورى يتعلّق
أنت الأمير على الشآم وثغرها * والرّقّتين وما حواه المشرق
وإليك مصر وبرقة وحجازها * كلّ إليك فؤاده متشوّق
هتك الخلافة صاعد وخليله * إسحاق ، بغيا ، والحسود الأخرق
أسيافنا بيض المتون فليتها * بنجيع من خذل الإمام تخلّق
تمسي وتصبح ضاربا من دونه * بمهنّد منه الحتوف تفرّق
يتلوك سعد والمقدّم تيتك * واللاذقيّ ، وذو الحفيظة يلبق
[ بعض فضائل ابن طولون ] :
وكان أحمد بن طولون حسن التزهّد شديد التقشّف . حدّث محمد بن الحسن اليمانيّ قال :
رأيت أحمد بن طولون فيما يرى النائم ، وكأنّه في روضة خضراء ، وعليه لبسة رائعة ، وقد حسنت صورته ، ويده تحت خدّه ، وقد استشعر كآبة شديدة . فقلت له : ما فعل اللّه بك ؟
قال : غفر لي وأمر بي إلى الجنّة . وذلك أنّه لمّا فارقت نفسي جسدي ، ساقها سائق عنيف في موضع لا أعرفه ، فاحتزت بجهنّم وقد فغرت فاها وخرج لسانها . فملت عن الطريق التي يسوقني السائق فيها ، خوفا أن تلتهمني . وابتدرت امرأة حسنة الوجه عظيمة الخلق فقالت : لا بأس عليك يا أحمد ! قد وهبك ربّك لي - ومشت بيني وبين
هامش
( 1 ) الكندي 226 : قعدان .
( 2 ) جمع اللأمة وهي الدرع .
( 3 ) الكندي : منصف .