تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
إليه برذونين ، ثم اتركه مدّة وادفع إليه برذونين ! فضحك أحمد وأطلق له مؤونة البراذين . وكان يركب بنفسه في كلّ جمعة ويتفقّد خزائن المارستان وما فيها والأطبّاء وينظر في المرضى وسائر الأعلّاء والمحبوسين من المجانين .

[ فراسته ] :

وكانت له فراسة صادقة . منها أنّه رأى رجلا في جملة النّاس فقال : ائتوني بهذا ! فأتي به فقال : أنت جاسوس ! - وأمر بتقريره فأقرّ فساقه إلى السجن . فسئل : كيف عرفته ؟ فقال : رأيته متّكئا وقد تدلّى من مئزره تكّة حرير أرمنيّ - ففتّشوه فوجدوه كما قال . ونظر مرّة في البنّائين وقال : ائتوني بذلك ! فلمّا جاءه قال : أنت جاسوس ! فأنكر فعاقبه فأقرّ . فقيل : بم عرفته أيّها الأمير ؟ قال : كلّما حمل قصريّة جير عاد إلى الماء وغسل يديه ، فعلمت أنّه متصنّع وأنّ هذا ليس من عمله . ولمّا بنى الجامع رأى الصنّاع يبنون إلى العشاء ، وكان في شهر رمضان . فقال : [ متى ] يشتري هؤلاء إفطارهم لأنفسهم ولعيالهم وأولادهم ؟ - وأمر بانصرافهم من وقت العصر . فلمّا انقضى شهر رمضان ، قيل له : قد انقضى الصوم ، ويعودون إلى رسمهم من العمل إلى المغرب . فقال : قد بلغني دعاؤهم وتبرّكت به . وليس هذا ممّا يوفّر علينا شيئا . وصار هذا سنّة من بعده لمصر . ولمّا فرغ من بناء الجامع تقرّب الناس إليه بالصلاة فيه . فصلّى فيه بكّار بن قتيبة القاضي . وعمل الربيع بن سليمان بابا فيما روي عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم من قوله : من بنى مسجدا ، ولو كمفحص قطاة ، بنى اللّه له بيتا في الجنّة . فلمّا كان أوّل جمعة صلّاها أحمد بن طولون فيه وفرغت الصلاة ، جلس الربيع خارج المقصورة ، وقام المستملي بين يديه ، وفتح باب المقصورة ، وأحمد بن طولون جالس ، وغلمانه قيام وسائر الحجّاب حتّى فرغ المجلس . فتقدّم إلى الربيع غلام بكيس فيه ألف دينار وقال : يقول لك الأمير : نفعك اللّه بما علّمك ! وهذه لابنك أبي طاهر .

[ مواجهته للموفّق ] :

وكان قد زاد البعد فيما بينه وبين أبي أحمد طلحة الموفّق باللّه : وذلك أنّ أمير المؤمنين المعتمد على اللّه أبا العبّاس أحمد ابن المتوكّل جعل أخاه الموفّق وليّ عهده من بعد المفوّض للّه ابن المعتمد . وجعل غرب المملكة للمفوّض وشرقها للموفّق ، وحلّفهما على ذلك . وكان الموفّق يحسد أخاه المعتمد ولا يراه أهلا للخلافة . فشقّ عليه تقديم المفوّض في العهد . وتشاغل المعتمد بكثرة اللعب حتّى اختلّت المملكة وانفرد كلّ عامل بما يتقلّده . وكان فيما كتب بين الموفّق والمفوّض أنّه ما حدث في عمل كلّ منهما من حدث كانت النفقة عليه من مال الخراج قسمة . فاستخلف المفوّض على قسمه موسى بن بغا . وانفرد الموفّق بقسمه . وتقدّم إلى كلّ منهما ألّا ينظر في عمل صاحبه [ 91 أ ] . وأفرد الموفّق لمحاربة [ عليّ بن محمّد ] صاحب الزنج [ المعروف بعلويّ البصرة ] وأخرج لمحاربته . فلمّا كبر أمره وطالت مدّة محاربته انقطع [ ت ] موادّ [ خراج ] الشرق عن الموفّق ، وتقاعد الناس عن حمل المال . فدعت الضرورة