تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المقفى الكبير — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠

[ خلاص إبراهيم من النار ] :

وقال مقاتل : أوّل من اتّخذ المنجنيق نمروذ . وذلك أنّ إبليس جاءهم لمّا لم يستطيعوا أن يدنوا من النار التي أضرموها لرمي إبراهيم فيها ، فقال : أنا أدلّكم . فاتّخذ لهم المنجنيق ، صنعه له رجل من الأكراد يقال له : هبون . وكان أوّل من صنع المنجنيق ، فخسف اللّه به الأرض . وجيء بإبراهيم عليه السلام فخلعوا ثيابه وشدّد رباطه ، فوضع في المنجنيق ، فبكت السماوات والأرض والجبال والشمس والقمر والعرش والكرسيّ والسحاب والريح والملائكة ، كلّ يقول : يا ربّ عبدك إبراهيم بالنار يحرق ، فائذن لنا في نصرته - فقالت النار وبكت : يا ربّ ، سخّرتني لبني آدم ، وعبدك يحرق بي ! . فأوحى اللّه إليهم إنّ عبدي إيّاي عبد ، وفي جنبي أوذي ، إن دعاني أجبته ، وإن استنصركم فانصروه . [ و ] لمّا رمي استقبله جبريل عليه السلام بين المنجنيق والنار فقال : السلام عليك يا إبراهيم ، أنا جبريل ، ألك حاجة ؟ فقال : أمّا إليك فلا ! حاجتي إلى اللّه ربّي . فلمّا أن قذف سبقه إسرائيل فسلّط النار على قماطه « 1 » . وقال اللّه :
يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
[ الأنبياء : 69 ] . فلو لم يخلط بالسلام لآذاه البرد . ودخل جبريل معه ، وأنبت اللّه حوله روضة خضراء ، وبسط له بساط من درنوك « 2 » الجنّة ، وأتى بقميص من حلل جنّة عدن فألبس [ ه ] ، وأجري عليه الرزق غدوة وعشيّا ، إسرائيل عن يمينه وجبريل عن يساره . وعن عكرمة في قوله تعالى :
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ
[ الأنبياء : 69 ] أنّ نار الدنيا كلّها لم ينتفع بها أحد من أهلها . فلما أخرج اللّه إبراهيم [ 4 ب ] من النار ، زاده « 3 » اللّه في حسنه وجماله سبعين ضعفا . وعن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه قال : كانت البغال تتناسل ، وكانت أسرع الدوابّ في نقل الحطب لحرق إبراهيم عليه السلام فدعا عليها ، فقطع اللّه نسلها . وكانت الضفادع مساكنها القفار ، فجعلت تطفئ النار عن إبراهيم . فدعا لها فأنزلها اللّه الماء . وكانت الأوزاغ تنفث عليه النار فلعنها فصارت ملعونة ، فمن قتل منها شيئا أجر ! . وعن ابن عبّاس رضي اللّه عنه قال : لمّا ألقي بإبراهيم عليه السلام في النار قال : حسبي اللّه ونعم الوكيل ! . وقال الزبير بن بكّار : حدّثني عبد الرحمن بن المغيرة قال : لمّا رأى الناس أنّ إبراهيم عليه السلام لا تحرقه النار قالوا : ما هو إلا عرق الندى وما نعرفه . ألا ترى : ما تضرّه النار ولا تحرقه فسمّي عرق الندى . وقال وهب : فلمّا رأوا الآية الباهرة آمن منهم بشر كثير . فأتى الجمع إلى نمروذ فقالوا : إنّ إبراهيم قد استمال الناس ، وقد صبا إليه خلق كثير . فجمع نمروذ وزحف ، يريد إبراهيم ومن معه . فأوحى اللّه إلى إبراهيم : ارحل بمن معك ! .

[ هجرة إبراهيم إلى مصر ] :

فرفع بامرأته سارة وجميع من آمن به حتّى بلغ مدين فنزل ، ونمروذ سائر بجموعه خلفه . فأرسل
هامش
( 1 ) القماط : حبل يشدّ به اليدان والرجلان كما يفعل بالأسير أو بالصبيّ في المهد . ( 2 ) درنوك : طنفسة . بساط أصفر ( دوزي ) . ( 3 ) في المخطوط : وزاده .
المقفى الكبير — صفحة 20 | المقريزي / محمد اليعلاوي / محمد اليعلاوي