ولا عقله ، فإذا بلغ واحتنك « 1 » حينئذ نقيسه ونختبره نرجو بذلك حادثا يكون فيه الفرج لإبراهيم .
[ خلع إبراهيم لديانة قومه الوثنيّين ] :
فلمّا تمادى الحال خلع إبراهيم ذلك كلّه ونابذ قومه في اللّه ولم يراقب شيئا ولا خاف سوى اللّه سبحانه . ودعا إلى عبادة اللّه فبلغ ذلك نمروذ فحبسه في السجن سبع سنين وبنى له جامرا « 2 » وأوقده بالحطب الجزل وألقاه فيه .
وقال محمد بن جرير الطبري « 3 » : كان من شأن إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلم أنّ اللّه عزّ وجل لمّا أراد أن يبعثه حجّة على قومه ورسولا إلى عباده ، ولم يكن فيما [ بين ] نوح وإبراهيم عليه السلام نبيّ إلّا هود وصالح ، فلمّا تقارب زمان إبراهيم عليه السلام طلع كوكب على نمروذ فذهب بضوء الشمس والقمر ، ففزع من ذلك ودعا المنجّمين والكهنة والقافة ، وسألهم عنه فقالوا له : يخرج من ملكك رجل يكون على يده هلاكك وذهاب ملكك .
وكان مسكنه ببابل فخرج من قري [ ت ] ه إلى قرية أخرى ، وأخرج الرجال وترك النساء وفرّق بينهم وأمر أن لا يولد مولود ذكر إلا ذبح . فكان يذبح أولادهم ، ثم بدت له حاجة في المدينة لم يأمن عليها إلّا آزر أبا إبراهيم ، فدعاه وأرسله في الحاجة وقال : لا تواقع أهلك ! .
فقال : أنا أضنّ بديني من ذلك .
فلمّا دخل القرية ونظر إلى أهله لم يملك نفسه حتّى واقع زوجته . ففرّ بها إلى قرية بين الكوفة والبصرة يقال لها أود ، فجعلها في سرب . وكان
يتعهّدها بالطعام والشراب .
وإنّ الملك لمّا طال عليه الأمر قال : هذا قول سحرة كذّابين . ارجعوا إلى بلدكم .
فرجعوا .
وعن وهب : بعث اللّه تعالى إبراهيم إلى أرض بابل ، والغالب عليهم في ذلك الزمان علم النجوم ، حتّى إنّ الرجل ليولد له المولود فيقيم طالعه ساعة ولد ، فإن كان مسعودا ربّاه ، وإن كان منحوسا ذبحه فأتاهم إبراهيم عليه السلام فغلب النجوم ، فكان يحكم فلا يخطئ ، ويحكمون فيخطئون ويكذبون .
وقال اللّه تعالى :
فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ
[ الصافات : 88 - 89 ] وأنزل عليه ، سبحانه ، عشرين صحيفة فيها عشرون كتابا بخطّ السريانيّ .
وكان نمروذ والذين اتّبعوه بأرض بابل يعبدون النجوم اتّخذوها آلهة . فقوم يعبدون الشمس ، وقوم يعبدون غير ذلك من الدراريّ السبعة « 4 » ويزعمون أنها آلهة تملك ضرّهم ونفعهم ، وحياتهم وموتهم . فأقام عليهم الحجّة كما أخبر اللّه تعالى بقوله :
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ
[ الأنعام : 76 ] فقالوا :
نَعْبُدُ أَصْناماً
[ الشعراء : 71 ] ، وسمّوها بأسماء الدراريّ . فأخذ إبراهيم قدّوما وأتاها ليلا وكسرها وعلّق القدّوم على عنق صنم الشمس وهو أكبرها .
فلمّا رأوها قالوا :
مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا
[ الأنبياء : 59 ] ، قال رجل منهم : سمعت إبراهيم يذكرها .
فأتوا إبراهيم فقالوا : من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم ؟
قال لهم : سلوا كبيرهم هذا
إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ
[ الأنبياء : 63 ] .
هامش
( 1 ) احتنك الدهر الرجل : جعله مجرّبا حكيما .
( 2 ) الجامر : لا وجود لهذه الكلمة في المعاجم . والمعنى واضح .
( 3 ) تاريخ الطبري 1 / 236 .
( 4 ) الكوكب الدّريّ بضمّ الدال وكسرها : الثاقب الكثير الإنارة والدراريّ السبعة هي الكواكب السيّارة ( اللسان ) .