اللّه عليهم جندا من البعوض فأعمى أعين الدوابّ ودخل خياشيم الرجال حتّى ماتوا ، وأبقى اللّه نمروذ ، وقد دخلت خيشومه بعوضة فسكنت دماغه حتى كان أحبّ الناس إليه من ضرب رأسه ليكفّ عنه أكل البعوض . ثمّ هلك بعد ذلك .
فأوحى اللّه تعالى إلى إبراهيم بهلاك نمروذ وجنوده . فرفع من مدين إلى مصر فدخلها ليمتار منها ، وكان معه ثلاثمائة رجل ، وعلى مصر يومئذ عمرو بن امرئ القيس بن سابليون بن سبأ ، وهو عبد سعلس بن يشحب بن يعرب بن قحطان .
فبلغه قدوم إبراهيم فاستدعاه وأكرمه . ثمّ بلغه جمال سارة امرأة إبراهيم فأمر بإحضارها . فلمّا عاينها افتتن بها وراودها عن نفسها فمنعها اللّه منه وقبض يده عنها ، فردّها إلى إبراهيم وأخدمها هاجر . وسار إبراهيم من مصر .
ويروى أنّه لمّا نجّى اللّه إبراهيم من النار خرج هو وأبوه وسارة زوجته ولوط ابن أخيه إلى حرّان ، فأقام بها خمس سنين . فأوحى اللّه إلى إبراهيم أن اخرج إلى الأرض المقدّسة التي أجعلها لنسلك وأبارك فيها « 1 » وأعظّم اسمك . فسار ومعه لوط .
وكان عمر إبراهيم عندما هاجر من حرّان خمسا وسبعين سنة . وخرجت معه سارة وجميع مواشيهم وخدمهم ، فنزل بهم حيث مدينة القدس . فبنى عند الصخرة مذبحا للّه . وكان بالأرض حينئذ غلاء ومجاعة ، فتوجّه إلى مصر .
وعندما دنا منها قال لسارة : إنّك امرأة حسناء ، فإن رآك المصريّون يقولون : امرأته ، فيقتلونني ويأخذونك . قولي : إنّي أخته ! .
فلمّا دخل مصر رأى أهل مصر سارة وما هي عليه من الجمال . فوصفت لفرعون .
وذكر إبراهيم بن وصيف شاه أنّ فرعون إبراهيم اسمه طوطيس بن ماليا بن خربتا بن ماليق بن تدارس بن سبأ ، وقد ذكر في موضعه من هذا الكتاب « 2 » ، وذكرت سارة وما كان من خبرها مع طوطيس ، وكيف أخدمها هاجر .
ثمّ إنّ إبراهيم عليه السلام لمّا ردّ اللّه إليه سارة خرج بها من مصر بعد ما أقام بها ثلاثة أشهر ، وقد أعطتها حوريا ابنة طوطيس [ ها ] جر وزوّدتها بسلال من جلود فيها زاد ، وجعلت تحت الزاد جواهر وذهبا مصوغا مرصّعا . وكان ذلك من حوريا حيلة احتالت بها : فإنّ إبراهيم عليه السلام كان قد ردّ عليهم المال الذي حملوه إليه ، فيقال :
إنّه لمّا أمعن في السير أخرجت سارة بعض تلك السلال ، فرأت الجواهر والحلي . فلمّا أعلمت إبراهيم به باع بعضه وحفر من ثمنه البئر التي يقال لها : بئر سبع [ 5 أ ] بالقرب من غزّة ، وجعلها سبيلا . وفرّق بعضه في وجوه البرّ . وكان يضيف كلّ من مرّ به . وكثر ماله من الذهب والفضّة والمواشي . فأمر ابن أخيه لوطا أن يتحوّل بمواشيه عنه خشية أن تقع المشاجرة بين رعاتهما . فسار لوط من أرض المقدس ونزل أرض سدوم ، وكان من خبره ما ذكر في ترجمته من هذا الكتاب « 3 » .
[ نزوله بحبرون ] :
ونزل إبراهيم حبرون وهي التي تعرف اليوم ببلد الخليل . فكانت حروب بين ملك سدوم ومن جاوره ، فأخذت مواشي لوط . فلمّا بلغ ذلك إبراهيم سار في ثلاثمائة وثمانية عشر رجلا إلى دمشق ، وقاتلهم وهزمهم وردّ مواشي لوط إلى سدوم . فتلقّاه ملك سدوم وبالغ في كرامته فلم يقبل منه شيئا ، وعاد إلى حبرون .
هامش
( 1 ) في المخطوط : فيك .
( 2 ) انظر ترجمته في الجزء الرابع رقم 1426 .
( 3 ) ترجمة لوط : لعلّها في الحروف المفقودة .