وتسلم السلطان حصن براش في سنة تسع وخمسين واستمر الأمير علم الدين مقطعا في صنعاء ، وتأهب السلطان للحج إلى مكة المشرفة لأداء فريضة الحج ، فخرج من تعز في شوال في عساكره ، فلمّا قارب مكة خرج منها الأشراف ثم دخل مكة في عساكره وجنوده فحط في الحجون ولم يزل إلى أن قضى ما يجب عليه من الوقوف بعرفة ثم مضى في حجه حتى أتمه ، ثم قصد البيت ولم يزل مدة إقامته بمكة يصلي المغرب على مياه زمزم ثم يطوف واردا وصادرا ، ثم خدم البيت الشريف وأخذ المكسحة « 1 » فكسحه وتأبط القربة وغسله ثم ضمخه بالغوالي الفاخرة ، ولم يزل يدعو اللّه تعالى خلف كل صلاة ويتضرع إليه ويطلب من اللّه العفو والغفران ، وفيه يقول الشاعر :
مقام يحق لذي الكبر * ياء أن يبدله بالخضوع
رأينا به الملك رب الفخار * أبا عمر ذا النوال الهموع
خشوعا مروعا لتقوى الإله * وما كان من قبله بالمروع
( قال علي بن الحسن الخزرجي : هذه الثلاثة الأبيات تروى مطلقة ومقيدة واللّه أعلم ) « 2 » .
وكانت إقامة السلطان في مكة عشرة أيام ، ففرق الصدقات المبرورة ، وجهّز حجاج مصر بالأنعام والأزواد ، وكسا البيت المعظم وكسا رؤساء الحرم بالتشريفات الفاخرة ونثر على البيت الذهب والفضة ، ولما عزم على الرحيل ودع البيت باكيا مستعبرا وسار ينشر العرف في كل محطة إلى أن دخل زبيد في أحسن زي ، وكان دخوله زبيد في صفر من سنة ستين وستمائة .
وقد كان الشريف يحيى محمد السراجي المقدم ذكره « 3 » في ناحية حضور ، فأجابه أهل تلك الناحية فخرج إليه الأمير علم الدين سنجر الشعبي من صنعاء في عسكر فانهزم الشريف
هامش
( 1 ) المكسحة : المكنسة ، انظر لسان العرب ، 2 / 571
( 2 ) ساقطة من « ب » .
( 3 ) يظهر أن في الكلام سقطا ، وفي العقود اللؤلؤية : « قد دعا إلى نفسه في ناحية حضور » .