وكان هذا أبو المظفر يلقب تاج الدين وكان من كرام الناس ، بحيث لم يكن فيمن ورد من مصر من ذلك الوقت إلى عصرنا من يشابهه في الغالب علما ، وأدبا ، ومكارم أخلاق ، أدرك ابن الحاجب « 1 » الفقيه النحوي بمصر فأخذ عنه مقدمته ، وأخذ عنه جماعة من أصحابنا الفقهاء ، ثم كان لا يبقي ولا يدّخر شيئا ، ولقد أخبرنا الثقة أنه لم يكن له مخدة لنفسه ينام عليها ، ولم يكن معه غير ثيابه ، وكان إذا اشتد به الوجع اشترى فرشا يرقد عليه ، ثم إذا تعافى باعه ، وكان رأس طبقة الشعراء ، فإذا كان يوم العيد لا ينصرفون من سماط السلطان إلا إلى بيته فيدخلون على سماط حسن لا يقوم إلا بمال جزيل فيأكل منه من حضر من الشعراء والأصحاب والجيران وغيرهم من الفقهاء والكتاب وأعيان البلد .
وكان بيته موردا لذوي الحاجة من أعيان الناس فيقفون ببيته على كفاية وإحسان ، وله عدة مكارم يطول تعدادها ويكثر إيرادها ، وكان غالب من وصل باب المظفر من أعيان الفقهاء إنما يصل إلى بيته ويسعى في أمره .
وكان حسن اللفظ ، جيد الضبط ، ثابت الخط ، وكان المظفر يجله ويبجله ويقول : لولا رزن سمعه لكان يصلح وزيرا ، وقد قدم والده من الديار المصرية ، وكان كاتب درج بها ، فقدم رسولا إلى السلطان الملك المظفر ، فلمّا صار على قرب من تعز سأل هذا موسى من السلطان أن يودعه ويودع أخاه في الحصن لئلا يسمع كلاما فيتوهم أنه منهما ، ثم إنه لما دخل اليمن وقضى حوائجه من السلطان وودعه وسأل الإذن بالاجتماع بأولاده فأخرجا له ، فلم يزد اجتماعهم على السلام والوداع وهذه مبالغة في حفظ الرئاسة وحفظ بواطن المخدومين .
وكان وفاته في الدولة المؤيدية أول سنة تسع وتسعين وستمائة في مدينة عدن ، نزل صحبة السلطان إلى هنالك فأدركه أجله ، ولم يكن في عصره له نظير واللّه أعلم .
هامش
( 1 ) ابن الحاجب : هو عثمان بن عمرو [ ت 646 ه ] : فقيه ، نحوي ، وهو صاحب الكافية في النحو ، والشافية في التصريف . الجندي : السلوك ، 2 / 566 .