وأقام الإمام بعد ذلك في صنعاء إلى سنة ثلاث وتسعين ، ثم جمع جموعا كثيرة وقصد بلاد بني شاور « 1 » فنهبها عسكره وعاثوا فيها ، وقتل الفقيه أحمد بن زيد الشاوري كان فقيها ، صالحا ، عالما ، عاملا ، وكان قتله يوم الحادي عشر في رجب من السنة المذكورة ، ونهب بيته وكان فيه أموال جمة مودعة للناس .
فلمّا كان يوم السادس من شعبان ركب الإمام ببعض ما يريد من الأمر فبينما هو يسير على بغلته إذ أقبل طائر من الجو قاصدا نحو البغلة فنفرت البغلة نفرة عظيمة ، فسقط الإمام عن ظهرها وتعلقت رجله بالركاب فازدادت البغلة نفورا ورجله هنالك ، فانكسرت رجله وقيل يديه ورجله وكان في موضع حزن فلم يمكن لزمها فعقرت هنالك ، وحمل الإمام على لوح وتداولته أعناق الرجال إلى أن دخلوا به ظفار فأقام أياما ثم انتقل إلى صنعاء فلم يزل بها إلى أن توفي آخر يوم من شوال وقيل يوم الثالث من القعدة وهو الأصح كما أخبرني الثقة عن الثقة واللّه أعلم .
وأخبرني الفقيه محمد العديني الناسخ عن رجل من أهل صعدة قال : سألته عن تاريخ موت الإمام وسببه قال : أخبرني القاضي بصعدة أنه قال : دخلت على الإمام في مرضه الذي توفي فيه فسألته عن حاله فقال : لما وصلت أنا والعسكر إلى بلد الفقيه أحمد بن زيد أمرت العسكر ألا يغير أحد على أحد بنهب ولا غيره إلا أنكم إذا دخلتم على الفقيه أحمد بن زيد احملوا ما عنده من الكتب ، فلمّا دخلوا عليه حملوا كتبه وجاءوني بها فوجدت معظمها في الأصول والاعتقادات فأمرت بقتله ونهب بلده ، فلمّا قتل وسرنا راجعين فتوسطت بي البغلة في وادي بين جبلين وأسرعت في مشيها فظن الغلمان أني حثثتها لحاجة الإنسان فتأخروا عني فلم يبق عندي أحد ، فلمّا انفردت قابلني الفقيه أحمد بن زيد وقرب مني في الجانب الأيسر فرأيته يمد إصبعه السبابة كأنه خنجر فطعن به البغلة في خاصرتها فنفرت بي نفرة شديدة ألقتني عن ظهرها ، وكانت رجلي في الركاب فسحبتني نحو ميل فما أنقذت منها إلا وقد صرت شيئا أهلك فو اللّه ما بي إلا هو قتلته فقتلني .
هامش
( 1 ) بلاد بني شاور : تقع بمحافظة حجة في أسفلها ، وهي بطن من حاشد من ولد شاور بن قدم بن قادم بن عريب ابن جشم بن حاشد . الجندي : السلوك ، 2 / هامش ص 323 .