عمل أهل الأمر معكم فلعله يتركك في مكان أبيك تتغطى فيه أنت وإخوتك عن الظلم ، قال :
فقلت الآن قابل نهي الوالد أمر الوالدة فتعارضا ، ثم قدمت إلى قاضي القضاة إلى المصنعة فلمّا جئته سلمت عليه وأخبرته بوفاة الوالد فترحم عليه ترحما كليا وعزاني وقال : ألا جئت من يوم توفي ، فأخبرته القصة فنصبني مكان والدي في القضاء ثم رجعت إلى البلد فأقمت حاكما بها واستترنا عن الكلام « 1 » وانقمع عنا الأعداء .
فلمّا توفي القاضي عمر بن أبي بكر الهزاز وكان في تعز بعث إليّ القاضي يطلبني فلمّا جئته قال لي : قد استخرت اللّه تعالى واستنبتك على قضاء تعز واستنبت أخاك أحمد مكانك فاعتذرت فلم يقبل مني وألزمني التقدم إلى تعز ، فقدمتها عقب موت القاضي عمر بن أبي بكر الهزاز وكان ذلك من قضاة سير عادة ، يحبون بقاء الأسباب على ذراري أهل الأسباب ، وإنما منعهم عن إبقاء القاضي محمد بن عمر مكان أبيه بكرهه للوقوف مكان أبيه محافظة على وصية أبيه له فإنه أوصاه بالحذر من القضاء ولم يزالوا على ذلك حتى انقرضوا .
قال الجندي : ومن ذلك البحراني إمام مسجد الأشاعر بزبيد فإنه لما توفي خلّف أولاد صغارا ، فرتب بنو عمران رجلا وشرطوا عليه أن يقاسم أولاد الفقيه البحراني في النفقة ففعل ذلك ، قال : ولم يزل مستمرا حتى كبروا وقرءوا القرآن ثم تركوا أكبرهم فاستمر في الإمامة مكان أبيه .
قال : ونحو هذه الحكاية عنهم كثير ولم يزل مستمرا على القضاء إلى سنة نيف وثمانين [ وستمائة ] ، وتوفي في التاريخ الآتي ذكره وهو مستمر على القضاء .
قال الجندي : وقلّ ما سمعت بقاض سلك مسلكه ، وكان في غاية من الزهد والورع والاقتصاد في مطعمه وملبسه وزواجه ، وكان إذا أتاه آت وسأله أن يسعى معه في حاجة أو شفاعة أجابه إلى ذلك غير مستكثر ولا متكبر .
هامش
( 1 ) في السلوك ، 2 / 99 « واستترنا عن الظلم » .