قال الجندي : وذكر الثقات أنه كثيرا ما يسمع من قبره قراءة القرآن ولم يكن له عقب ولا في أهله من أهل الملك ، وكان محمد بن أحمد الحبوضي يتخول له فقام بالملك بعده وتقدم فيما مضى من كتابنا هذا ذكر الحبوضيين وانقضاء دولتهم فيما تقدم من الكتاب .
وقال الجندي : وسمعت من الثقات بقصة عجيبة لهذا الملك فكرهت إهمالها لأن المؤرخين يقولون من ذكر إنسانا وله منقبة ولم يذكرها فقد ظلمه .
قال المخبر : أخبرني من أثق به أن جماعة من أعيان حضرموت تجهزوا من بلدهم لقصد هذا المنجوي بهدايا تليق بأحوالهم ، وصحبهم فقير ، فسمعهم يذكرونه بالخير والجود والكرم والإنسانية ثم ذكر كل منهم ما وصل به فاجنى ذلك الفقير غصنا من أغصان الأراك التي يستاك بها الناس ، عدده سبعة ، وجعلهم حزمة .
فلمّا دخل أهل الهدية مرباط ، وأذن لهم في الدخول على الملك ، دخلوا ودخل ذلك الفقير معهم فسلموا ، ووضع الفقير ما معه بين يدي الملك وأنشد :
جعلت هديتي لكم سواكا * ولم أقصد بها أحدا سواكا
بعثت إليك عودا من أراك * رجا أني أعود وأن أراكا
فأمر السلطان أن تخلى لهم بيوت ، وللفقير مثلهم وبعث للفقير بجاريتين تخدمانه مدة إقامته ، وكذلك كان يفعل لكل ضعيف يصله .
ثم عزم الفقير على العود إلى بلاده فستأذن السلطان في ذلك فأذن له ، وأمر له بأن يعطي من كل شيء في خزائنه سبعة أجزاء .
قال الجندي : فقلت للمخبر : وكيف ذلك قال : ما كان يوزن بالبهار وكالحديد والقار ونحوهما يعطي منه سبعة أبهره ، وما كان يوزن بالمن كالزعفران ونحوه يعطي منه سبعة أمثال وكذلك ما يباع بالمكيال .
وبالجملة فمكارم هذا الرجل أكثر من أن تحصر ، ولو لم يكن من بركته إلا ما أبقاه اللّه له من جميل الذكر في هذه القصيدة التي ما سمعها أحد إلا أعجب بها .