أما الزمن : فالقرن الثامن الهجري هو قرن متفرد وسط بين القرنين السادس والسابع والقرنين التاسع والعاشر ولا نبالغ إن قلنا إنه كان قرن التأسيس الثاني للعلوم لأن القرنين السادس والسابع كانا بمثابة التمهيد لما جاء في القرن الثامن وأما القرنان التاسع والعاشر فقد بدءا يحملان علامات الأفول الثانية ولذا كان القرن الثامن هو من قرن العطاء العلمي . . فبعد أن قوضت أركان دار الإسلام من الشمال والغرب عن طريق الحملات الصليبية ، ومن الشرق عن طريق الاجتياح المغولي .
ومن الداخل عن طريق الضعف الذي اعترى جسم الأمة . إذا بالقرن الثامن يشهد معافاة جسم الأمة وانبعاثه ويظهر هذا على ملامح الحركة العلمية على مستوى دار الإسلام كلها .
فقد عكف علماء الأمة على إعادة تشكيل العلوم والمعارف ، وجمع ما فقد منه في الجوائح التي لحقت بالأمة . فخرج لنا في هذا القرن رجال ( موسوعيين ) بذلوا جهدهم ووقتهم في سبيل إخراج تراث علمي ضخم لم يشهد التاريخ مثله . ولهذا لا غرابه إن أطلقنا على هذا العصر عصر الموسوعات ، حيث نبغ علماء أفذاذ في كل المجالات العلمية « 1 » .
فكان أبو الحسن علي بن الحسن الخزرجي ( ت 812 ه / 1409 م ) أحد هؤلاء الموسوعيين النوابغ الذي كرس وقته لإخراج هذا العمل الفريد . وغيره من الأعمال التاريخية البارعة . مدعوما من قبل دولة راعية للعلوم والمعارف .
متخذا منهجا دقيقا في ترتيبه ، حيث جعله في ثلاثين بابا : ثمانية وعشرون بابا لحروف المعجم ( حروف الهجاء ) وباب للمسمّين بالكنى ، وباب للنساء .
ووضع القواعد التي التزمها في ترتيب الحروف في مقدمة كتابه بشكل دقيق فريد . والغريب أن مثل هذا المنهج ينسبه أصحاب كتب مناهج البحث الحديث إلى علماء الغرب ، بينما هو من الأمور المتداولة لدى علمائنا في القرن الثامن الهجري - الثالث عشر الميلادي - الذي كان فيه الغرب يرزح تحت ظلمات الجهل المطبق .
وقد جاء في مقدمة كتابه أنه عزم على أن يكون هذا الكتاب مختصرا جامعا محررا ، وأنه عرض ما بدأ به على السلطان الأشرف إسماعيل بن العباس الرسولي ( ت 803 ه / 1400 م )
هامش
( 1 ) انظر : عن الاتجاه الموسوعي في العهد المملوكي : ظمياء محمد عباس السامرائي . المنهج التاريخي عند القلقشندي 61 - 65 ، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية ، 1422 ه / 2001 م .