ومن أحسن ما يحكى عن ورعه ما روي أن الشيخ علي بن المعلم كان ملتزما « 1 » للمخلاف في أيام الملك العزيز سيف الإسلام طغتكين بن أيوب - الآتي ذكره إن شاء اللّه تعالى - فصادر قوما على مال وأراد أن يشتري به شيئا من أراضيهم ووافقوه على ذلك اتقاء سطوته ، فلما وثق منهم بالإجابة ، طلب أعيان الفقهاء إلى منزله ، فلما اجتمعوا أدخلهم على سماط جيد ، وكان الفقيه من جملتهم ، فلما فرغوا ، حضروا مجلس العقد ، فامتنع الفقيه عن حضور بيعهم ، فقال له بعض الحاضرين : متى أن خرجت تغير النظام ، فوقف على كره .
ثم لما سألوه أن يكتب شهادته على الوثيقة امتنع . فقيل له : كيف أكلت الطعام ولم تشهد ؟
فقال : ثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أكل طعام الكفار وكذلك أصحابه ، ولما سئل صلّى اللّه عليه وسلم عن الشهادة أشار إلى الشمس ، وقال : " على مثلها اشهد " « 2 » . ثم خرج ، فقال ابن المعلم : من هذا الفقيه ؟ فقيل له : هذا سيف السنة . فقال : صدق من سماه بذلك . وأما ما ذكر من كراماته فكثير منها ما يروى بنقل الثقة عن الثقة أن الفقيه خرج يوما من بيته يريد أرضا من زرعه لينظر زرعها ، فبينما هو يمشى بين الزرع إذ رأى عجّورة « 3 » من الزرع من أسفلها على عقد واحد وقد افترق أعلاها شجنان في كل شجن سنبلة ، فعجب الفقيه من ذلك ومد يده يريد أخذها من أسفلها فوقعت يده على أحد الشجنين فانسلخ في يده فتأمله فإذا فيه مكتوب لا اله إلا اللّه
هامش
( 1 ) الملتزم : هو من يلتزم بأمر ما ، وفي الأموال : هو متقبل الأرض الزراعية لقاء مال يدفعه لبيت المال ، وهو ما يعرف بالقبالة . انظر : د . محمد عمارة ، قاموس المصطلحات الاقتصادية ، 445 ، 561 .
( 2 ) حديث ضعيف ، أخرجه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام وقال : أخرجه ابن عدي بإسناد ضعيف ؛ وصححه الحاكم فأخطأ . وأورده السخاوي في المقاصد الحسنة ، وعلق عليه الألباني في تخريجه لأحاديث العقيدة الطحاوية بقوله : ضعيف . ثم ذكر حكم ابن حجر الآنف عليه . انظر : الصنعاني ، سبل السلام ، 4 / 231 ؛ محمد بن عبد الرحمن السخاوي ، المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة ، 345 ؛ ابن أبي العز الحنفي ، شرح العقيدة الطحاوية ، ط 490 .
( 3 ) العجورة : مفرد العجور ، وهو قصب الذرة وهي لغة في عموم أهل اليمن الأسفل وتهامة . انظر : الجندي ، السلوك ، 1 / 371 ، حاشية 1 .