وفاوضه في الحديث ، قال له : يا مولانا ظهر هنا رجل يدعي الفقه وصار يحتقر الفقهاء ويسفه عليهم بلسانه ثم لا يقنع باللفظ حتى صار يكتب ذلك بخطه ثم فتح الورقة التي فيها السؤال والجواب ووضعها بين يدي السلطان ، فلما قرأ السلطان السؤال والجواب الأول ثم نظر خط القاضي مسعود على صفة ما هو منقط عظم ذلك عليه وأمر بطلب القاضي مسعود لفوره ، وكان يسكن ضراس « 1 » فطلب من هنالك ، فلما وصل وحضر مقام السلطان رمى إليه السلطان بالورقة التي فيها السؤال والجواب وقال : الجواب الثاني خطك ؟ فتأمله القاضي مسعود فعرف من أين أتى ، فقال : سبحان اللّه يا مولانا : أمعنوا النظر فإن الحروف منقوطة بغير مداد الخط والقبح من الذي نقط الحروف فليتأمل مولانا السلطان ذلك ، ثم أعاد الورقة إلى السلطان فلما نظر فيها وتأملها أدرك ذلك وتميز له الفرق بين المدادين فعرف أنها مكيدة وظهر له صدق القاضي مسعود .
وكان السلطان سيف الإسلام قد نقلت إليه أمور ملأت قلبه من القاضي أحمد وأهل عرشان ، فلما تبين له أن هذه مكيدة للقاضي مسعود غلب على ظنه صدق ما كان ينقل إليه عنهم ، فقال للقاضي أحمد : يا قاضي الزم بيتك ، وأنت يا مسعود قد وليتك القضاء . فخرجا من عنده هذا مستمر وهذا معزول ، وقيل : كانت القضية في أيام المعز بن سيف الإسلام « 2 » واللّه أعلم .
قال علي بن الحسن الخزرجي لطف اللّه به : والذي يغلب على ظني أن الذي غير نقط الحروف في جواب المسألة المذكورة ووضع هذه المكيدة للقاضي مسعود هو غير القاضي
هامش
( 1 ) ضراس : بفتحتين ، قريتان في وادي نخلان من مديرية السيّاني وأعمال إب . وهما : ضراس العليا في الغرب ، والسفلى في الشرق . انظر : الأكوع ، هجر العلم ، 3 / 1207 ؛ المقحفي ، معجم البلدان ، 1 / 944 .
( 2 ) هو الملك المعز إسماعيل بن طغتكين ، ولي اليمن سنة ( 593 ه / 1196 م ) واستمر حتى قتله مماليكه سنة ( 598 ه / 1201 م ) انظر : الذهبي ، العبر ، 3 / 121 ، ابن الديبع ، قرة العيون ، 286 . .