تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعلام المغرب والأندلس — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
حدّث به عن حاتم يوم النّدى * واسمع بزيد الخيل يوم المغنم
ولا مرية في أنه بحر الجود المتلاطم الأمواج . ومنتهى الآمال حين تضيق بالمعتفين المسالك والفجاج . جادت من سماء جوده على العلماء كل هاطلة ثره ؛ وجرت أنهار عطائه لهم لأنهر المجره . أنسى - حقا - ما يؤثر عن الطائي ، ووسع - صدقا - بإشارة القريب والنائي . فعادت أخباره أحلى من الأناشيد ، وأملك للقلوب [ 20 / ب ] من الأغاريد ، ومنادمته الفراقيد « 1 » ، وأعذب من ماء العناقيد . وحين خطبته الخلافة ليكون لها بعلا ، لما تخيرته كفؤا وأهلا ، زهد في زهرة الدنيا وخاف النار ؛ وتسربل حلل السكينة والوقار . وأمر بإراقة الخمور ، وقطع الملاهي ؛ فكان وجه الإمارة يشرق به ويباهي . لما أظهر من الحلم والعفاف ، وغمر المعتفين في إمارته من الإسعاد والإسعاف . مخالفا لشهوات قلبه ؛ في مرضاة ربه . لا يثني العنان لريبة ، ولا يأسف - في غير الدين - على مصيبة . عفيف الفرج والبطن عما يشينها من الحرام ، متبرئا من كل موبقة تجلب له الآثام . مضى في إحياء الشريعة على سبيل الخلفاء الراشدين ، وأربى في الشجاعة على من عاصره أو تقدمه من المتقدمين ؛ فكانت النصارى تفرق من خوفه ، وترى أن الحتف ملك لكفه . فحليت تأليفي هذا بما انتهى إليّ من مآثره المألوفة ، ومكارمه الجمة الجميلة الموصوفة ؛ لكونه زهد حين أقبلت عليه دنياه ، ولم يستفزه هواه . وكان يقتدي بالسلف الصلح في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولبس ثياب الصوف . ولولا قصدي الإيجاز والاختصار لألفت في آثاره ومآثره أسفار « 2 » .
فتى جمعت فيه الفضائل كلّها * ولا بدّ من نقص فكان من العمر !
هامش
( 1 ) كذا فيهما . ( 2 ) كذا لضرورة السجع