في توكلهم ، ورضوا به عوضا عن كل ما خطر على قلوبهم من أمر الدنيا .
فليس لهم حبيب غيره ، ولا قرة عين إلا فيما قرب إليه .
قال أبو جعفر الحداد : دخلت دمشق ، فوقفت عليه وهو يتكلم في الإيثار ، فدخل عليه رجل من خارج الحلقة ، حتى جاء إلى القاسم ، وفي رأسه عمامة ، فأخذها وجعل يلقيها على رأسه ، وقاسم يديرها له حتى أخذها ، ولم يكلم أحدا من أصحابه ، ولا قطع كلامه .
وقال له شخص : ادع لي ! ، فإن السلطان يطلبنى وأنا مظلوم ! فقال : ما أخدعك ! ، أنا ما أدعو لنفسي ، أنا أعرف أيش تحت ثيابي ؟ ! .
وروى عنه أنه قال : رأيت في الطواف حول البيت رجلا ، فقربت منه ، فإذا هو لا يزيد على قوله : اللهم قضيت حاجة المحتاجين ، وحاجتي لم تقض ! فقلت له : ما لك لا تزيد على هذا الكلام ؟ ! . فقال : أحدثك ! كنا سبعة رفقاء من بلدان شتى ، غزونا أرض العدو ، فأسرنا كلنا ، فاعتزل بنا لتضرب أعناقنا ، فنظرت إلى السماء ، فإذا سبعة أبواب مفتحة ، عليها سبع من الحور العين ، على كل باب جارية ، فقدم منا رجل ، فضربت عنقه ، فرأيت جارية في يدها منديل قد هبطت إلى الأرض ، وهكذا حتى ضربت أعناق ستة ، وبقيت أنا وبقي باب وجارية ، فاستوهبت ، فسمعتها تقول : أي شيء فاتك يا محروم ! . وأغلقت الأبواب ! ، وأنا يا أخي ، متحسر على ما فاتنى . قال قاسم بن عثمان : أراه أفضلهم ؛ لأنه رأى ما لم يروا ، وترك يعمل على الشوق .
قال ابن عساكر الحافظ : وجدت بخط بعضهم له :
اصبر على كسرة وملح * فالصبر مفتاح كل زين
واقنع فإن القنوع عز * لا خير في شهوة بدين