في المدرسة النّاصريّة الجوّانيّة أوّل ما بنيت ، ودرّس في المجاهديّة ثمّ تركها ، وولي البادرائيّة في سنة ستّ وسبعين ، واقتصر عليها وعلى مرتّب له في الجامع ، وكان فيه . . . « 5 » كبر وكرم زائد ومواساة وأخلاق جميلة وعشرة ظريفة فقير النّفس رحب الصّدر له عبارة حسنة جزلة فصيحة وخطابة بليغة . له الفوائد الجمّة والفنون المهمّة والمصنّفات البديعة عالي الهمّة كثير الاشتغال والمطالعة ، كان مداوما على الاشتغال في جميع حالاته ، وكان محبّبا للنّفوس موقّرا عندهم لديانته وعفّته وفوائده وكرمه وعلمه ورئاسته وعقله وفضله وتواضعه ونصحه للمسلمين .
من جملة مصنّفاته « 6 » : الإقليد في بدر التّقليد علّقه على أبواب التّنبيه ، من نظر فيه علم محلّ الرّجل من العلم ، وأين وصل إليه من مراتبه في تصويره وتعبيره وسموّ همّته وعلوّ قدره ؛ وكان رحمه اللّه لطيف الطّبع ، يميل إلى استماع السّماع ويحضره ويرخّص فيه ، ورأيت له في ذلك شيئا « 7 » قد تكلّم عليه وأباحه بشروط الشّأن في حصول تلك الشّروط في زماننا اليوم ، وله اختيارات في المذهب كثيرة ، مشى على أكثرها ولده من بعده رحمهما اللّه تعالى .
وللشّيخ رحمه اللّه فضائل كثيرة ومحاسن غزيرة ، وله شعر جيّد ، فمنه :
يا كريم الآباء والأجداد * وسعيد الإصدار والإيراد
كنت سعدا لنا بوعد كريم * لا تكن في وفائه كسعاد « 8 »
وقد تخرّج به جماعة كثيرون وأمم لا يحصون ، من قضاة قضاة وقضاة ، وعلماء وفقهاء وسادة وقادة ورؤساء وأئمّة وكبراء ، وإنّما كانت فنونه في الشّرعيّات من فقه وحديث وتفسير وعلوم الإسلام النّافعة ، فرحمه اللّه ونوّر ضريحه .
توفّي ضحى يوم الاثنين خامس جمادى الآخرة سنة تسعين وستّمائة ، عن
هامش
( 5 ) كلمة غير واضحة في الأصل وفي - ب - .
( 6 ) هديّة 1 / 525 .
( 7 ) المرجع السّابق وفيها ، هو : كشف القناع في حلّ السّماع .
( 8 ) إشارة إلى قول كعب بن زهير من لاميّته :إلّا أغن غضيض الطّرف مكحول . * وما سعاد غداة البين إذ رحلوا .
وما مواعيدها إلّا الأباطيل . * كانت مواعيد عرقوب لها مثلا .