تخطي إلى المحتوى الرئيسي

طبقات الشافعية — صفحة 689

مساهمون:

ص٦٨٩
وأطراف النّهار ، وله في صناعته اليد العليا التي لم يدركها أحد بعده لأنّه حاز قصب السّبق فيها وحده . وذكر القاضي ابن خلّكان « 18 » أنّه بلغت مصنّفاته وتعليقاته في هذا الفنّ نحوا من مائة مجلّد . وقال غيره : وجد بخطّه في أثناء مكاتباته من الأشعار المفردة من بيت وبيتين نحو من مائة ألف وعشرين ألفا ، وأنّه اقتنى من الكتب ما ينيف على مائة ألف مجلّدة ، مع ما له من الشواذّ والبلاغة والجواب السّريع والنّظم البديع ما تضيق عنه هذه الأوراق ممّا يسرّ الأسماع والأحداق . وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمّة ، وذكروا أنّه كان أحد أفراد هذه الأمّة ، وأنّه شارك السّلطان صلاح الدّين في فتح الأقاليم ، فذاك بحسامه وسنانه وهذا بعلمه وبنانه ، وكان قليل التلذّذ بالدّنيا ، مقبلا على شأنه من صلاة وصيام وتلاوة ، يختم كلّ يوم وليلة القرآن العظيم ، كثير المطالعة للكتب ، كثير الصّدقات والبرّ والصّلات ، له مدرسة موقوفة على الشّافعيّة والمالكيّة ، ومكتب للأيتام ، وأوقاف على الأسرى ، وكان ضعيف البنية رقيق الصّورة له حدبة يغطّيها الطّيلسان ، وكان فيه سوء خلق يكمن في نفسه ولا يضرّ أحدا به ، رحمه اللّه ، ولهذا لمّا مرض كان كثير التعنّت على أهل بيته ، فقالت له جارية من جواريه : يا مولانا والذي يمنّ علينا بمعافاتك ما لنا طاقة بمرضاتك في مرضاتك . ومات بالسّكتة بعد ما تولّى الإقبال وأقبل الإدبار ، وكان ذلك في سابع عشر ربيع الآخر سنة ستّ وتسعين وخمسمائة ، ودفن إلى جانب مدرسته بمصر . وقد سمع الحديث من أبي طاهر السّلفي ، وأبي القاسم ابن عساكر ، وأبي الطّاهر بن عوف ، وأبي محمّد العثماني وجماعة . ومن نوادره أنّ العماد الكاتب تلقّاه يوما وقد روى كلاما يعكس لنفسه ، فقال له : سر فلا كبا بك الفرس ، فقال له القاضي الفاضل على البديهة : دام علا العماد . وذهب مرّة في الرسليّة إلى سنجار ، فأحضر في جملة ما جيء به خيار
هامش
( 18 ) وفيات 3 / 158 .