بقوله « 113 » ، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله ، جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره ، فكان حافظا لكتاب اللّه ، بصيرا بالمعاني ، فقيها في أحكام القرآن ، عالما بالسّنن وطرقها ، صحيحها وسقيمها ، ناسخها ومنسوخها ، عارفا بأقوال الصّحابة والتّابعين ، بصيرا بأيّام النّاس وأخبارهم ، له الكتاب المشهور في تاريخ الأمم ، وكتاب التّفسير الذي لم يصنّف مثله ، وكتاب تهذيب الآثار لم أر مثله في معناه ، لكنّه لم يتمّه ، وله في الأصول والفروع كتب كثيرة ، واختيار من أقاويل الفقهاء ، وتفرّد بمسائل حفظت عنه .
قال الخطيب : وسمعت علي بن عبد اللّه اللّغوي يقول : مكث ابن جرير أربعين سنة يكتب كلّ يوم أربعين ورقة .
وقال صاحبه أبو محمّد الفرغاني : حسب تلامذته ما صنّف ، وبسطوه على عمره منذ احتلم إلى أن مات ، فصار لكلّ يوم أربع عشرة ورقة .
قال الفرغاني : وكان ابن جرير ممّن لا تأخذه في اللّه لومة لائم ، مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشّفاعات من جاهل وحاسد وملحد ؛ فأمّا أهل الدّين والعلم فغير منكرين علمه وزهده في الدّنيا ورفضه لها ، وقناعته بما كان يرد عليه من حصّة خلّفها له أبوه بطبرستان يسيرة .
قال الفرغاني : ورحل ابن جرير لمّا ترعرع من آمل ، وسمح له أبوه في السّفر ، وكان طول حياته ينفذ إليه بالشّيء بعد الشّيء إلى البلدان ، فسمعته يقول :
أبطأت عنّي نفقة والدي ، واضطررت إلى أن فتقت كمّي القميص فبعتهما .
قال الفرغاني : وحدّثني هارون بن عبد العزيز قال : قال لي أبو جعفر الطّبري : أظهرت مذهب الشّافعي ، واقتديت به ببغداد عشر سنين ، وتلقّاه منّي ابن بشّار الأحول شيخ ابن سريج .
قال الفرغاني : فلمّا اتّسع علمه أدّاه بحثه واجتهاده إلى ما اختاره في كتبه .
قال : وكتب إلى المراغي أنّ الخاقاني لمّا تقلّد الوزارة وجّه إلى الطّبري بمال كثير ، فأبى أن يقبله ، فعرض عليه القضاء فامتنع ، فعاتبه أصحابه وقالوا : لك في هذا ثواب ، وتحيي سنّة قد درست ، وطمعوا في أن يقبل ولاية المظالم ، فانتهرهم
هامش
( 113 ) في - ب - بعقله .