سرجا واحدا ، ولما تزوّج قوصون بابنته ، حمل الأمراء إليه شيئا كثيرا ، ثم بعد ذلك زوّج ابنته الأخرى الأمير سيف الدين طغاي تمر ، وقال السلطان : ما نعمل له عرسا ؛ لأن الأمراء يقولون : هذه مصادرة بحسن عبارة ، ونظر إلى طغاي تمر فرآه قد تغيّر ، فقال للقاضي تاج الدين إسحاق ناظر الخاص : يا قاضي ، اعمل لي ورقة بمكارمة الأمراء في عرس قوصون ، فعمل ورقة وأحضرها ، فقال : كم الجملة ؟ فقال : خمسون ألف دينار ، فقال : أعط نظيرها من الخزانة لطغاي تمر ، وهذا خارجا عمّا دخل مع الزوجة من الجهاز .
وحكى لي الحاج حسين أستادار الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي قال : جرى يوما بين يدي السلطان ذكر عشرين ألف دينار ، فقال الأمير : واللّه يا خوند ، أنا عمري ما رأيت عشرين ألف دينار ، فلما راح من عنده طلب النّشو ، وقال : احمل الساعة إلى يلبغا خمسة وعشرين ألف دينار ، وجهّزها مع الخزندارية ، وجهّز خمسة تشاريف أطلس أحمر بكلوتات زركش ، وطرز زركش وحوائص ذهب ؛ ليخلع ذلك عليهم .
وأما عطاؤه العربان فأمر مشهور زائد عن الحد ، وكان راتب مطبخه ، ورواتب الأمراء الكبار والكتاب الذين هم على مطبخه في كل يوم بالمصري ستة وثلاثين ألف رطل لحما ، وأما النفقات في العمائر ، فكان الرواتب لها في كل يوم شيئا كثيرا ، أظنه في كل يوم ألفي درهم ، غير ما يطرأ مما يستدعي به ، وبالغ في مشترى الخيول بالأثمان العظيمة ، فاشترى بنت الكردا بمائتي ألف درهم ، وبالغ أخيرا في مشترى المماليك ، فاشترى الأمير سيف الدين صرغتمش بخمسة وثمانين ألف درهم غير تشريف أستاذه ، وغير ما كتب له من المسامحة ، وأما العشرة والعشرون والثلاثون ألفا فكثير ، وغلا الجوهر في أيامه واللؤلؤ ، وما رأى الناس مثل سعادة ملكه ، ومسالمة الأيام له ، وسكون الأعادي من بعد شقحب ، وإلى أن مات لم يتحرك عليه عدو في البر ولا في البحر .
وخلّف من الأولاد جماعة ، منهم البنون والبنات ، فأما البنون : فمات له ولده علاء الدين علي بعد حضوره من الكرك في المرة الأخيرة ، ومنهم الناصر أحمد وقتل بالكرك ، وإبراهيم وتوفي أميرا في حياة أبيه ، والمنصور أبو بكر وقتل في قوص بعد ما خلع ، والأشرف كجك وقتله أخوه الكامل شعبان واللّه أعلم .
وآنوك وهو ابن الخوندة طغاي ، مات في حياة أبيه ، ولم يكن في الأتراك أحسن شكلا منه ، والصالح إسماعيل وتوفي بعد ملكه مصر والشام ثلاثة أعوام ، والكامل شعبان وخلع وقتل ، والمظفر حاجي وخلع وقتل ، ويوسف ورمضان وتوفيا في حياة أخيهما الصالح إسماعيل ، والناصر حسن وخلع أولا ، ثم أعيد ثانيا ، ثم خلع وقتل في سنة اثنتين وستين وسبعمائة ، والصالح صالح وخلع وحسين .
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 59
مساهمون: خليل الصفدي
ص٥٩