وتسويف كثير ، فأقبل عليه ، وأعطاه شيئا كثيرا - على ما سيأتي في ترجمته - ، وفيها أخرج من السّجن ثلاثة عشر أميرا ، منهم تمر السّاقي وبيبرس الحاجب ، وفي سنة ست وثلاثين وسبعمائة توفي القان بو سعيد - على ما تقدم - .
وفي سنة أربعين أمسك السلطان الأمير سيف الدين تنكز في الثالث عشر من ذي الحجة - على ما تقدّم - ، وفي سنة إحدى وأربعين وسبعمائة توفي ابن السلطان آنوك ، وفيها توفي الملك الناصر - رحمه اللّه تعالى - في التاريخ المذكور ، وقام في الملك بعده ولده المنصور أبو بكر - على ما تقدّم في ترجمته - .
وكان الملك الناصر - رحمه اللّه تعالى - ملكا عظيما ، مطاعا محظوظا مهيبا ، ذا بطش ودهاء ، وأيد وكيد ، وحزم وحلم ، قلما حاول أمرا ، فانجذم عليه فيه شيء يحاوله ؛ لأنه كان يأخذ نفسه فيه بالحزم البعيد والاحتياط ، أمسك إلى أن مات مائة وخمسين أميرا ، وكان يلبس الناس على علاتهم ، ويصبر الدهر الطويل على الإنسان وهو يكرهه ، تحدّث مع أرغون النائب في إمساك كريم الدين الكبير قبل إمساكه بأربع سنين ، وهمّ بإمساك تنكز في سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة بعد بكتمر الساقي ، ثم أمهله ثماني سنين ، وكان الملوك الكبار يهادونه ويراسلونه ، وكانت ترد إليه رسل ملك الهند ، ورسل القان أزبك ، وتزوّج ابنته وملوك الحبشة وملوك الفرنج وملوك الغرب وبلاد الأشكري وصاحب اليمن ، وأما بو سعيد ملك التتار فكانت الرسل لا تنقطع بينهما ، وكل منهما يسمي الآخر أخا ، وصارت الكلمتان واحدة والمملكتان واحدة ، ومراسيم السلطان تنفّذ في بلاد بو سعيد ، ورسله تدخل البلاد بالأطلاب والطبلخانات والأعلام المنشورة ، وكلما بعد الإنسان عن مملكته ، وجد ذكره وعظمته ومهابته أعظم ، ومكانته في القلوب أوقع .
وكان سمحا جوّادا على من يقرّبه ويؤثره ، لا يبخل عليه بشيء كائنا ما كان ، سألت أنا القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص قلت : هل أطلق السلطان يوما ألف ألف درهم ، قال : نعم كثير ، وفي يوم واحد أنعم على الأمير سيف الدين بشتاك بألف ألف درهم في ثمن قرية يبنى التي بها قبر أبي هريرة رضي اللّه عنه صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وأنعم على موسى بن مهنا بألف ألف درهم في ثمن القريتين ، وأراني القاضي شرف الدين أوراقا فيها ما ابتاعه فيها من الرقيق ، وكان ذلك لمدة أولها شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة إلى سنة سبع وثلاثين ، وكان جملته أربع مائة ألف وسبعين ألف دينار ، كذا قال .
وكان ينعم على الأمير سيف الدين تنكز في كل سنة يتوجه إليه بما يزيد على الألف ألف درهم ، وأنعم يوما على الأمير سيف الدين قوصون بزردخاه بكتمر الساقي ، قال المهذب كاتب بكتمر : فيها شيء بمبلغ ستمائة ألف دينار ، وأخذ السلطان من الجميع
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 58
مساهمون: خليل الصفدي
ص٥٨