تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
ألزموه بالإسلام امتنع ، وهمّ بقتل نفسه بالسيف ، وتغيّب أياما ، ثم إنه أسلم ، وحسن إسلامه إلى الغاية ، وحجّ غير مرة ، وزار القدس غير مرة ، وفي بعض المرات أحرم من القدس ، وتوجّه إلى مكة محرما من هناك ، وبنى مساجد كثيرة بالديار المصرية وعمّر أحواضا كثيرة في الطرق ، وبنى بنابلس مدرسة ، وبنى بالرملة بيمارستانا ، وأكثر من أفعال البر ، وقال لي القاضي شهاب الدين : إنه كان حنفي المذهب . وكان إذا خدمه الإنسان في العمر مرة واحدة كفاه مؤونة أمره ، وصحبه إلى آخر الدهر وقضى أشغاله ، ونقله إلى وظائف أكبر مما في يده ، فكانت فيه عصبية شديدة لأصحابه ، وقيل : إنه كان يتصدّق في كل شهر بثلاثة ألف درهم . وكان في أول أمره كاتب المماليك ، إلى أن توفي القاضي بهاء الدين بن الحلي ، فولاه السلطان مكانه في نظر الجيوش ، وكان الأمير سيف الدين أرغون النائب يكرهه كثيرا ، وإذا قعد للحكم أعرض عنه ، وأدار كتفه إليه ، ولم يزل فخر الدين يعمل عليه ، إلى أن توجّه إلى الحجاز ، فقيل : إنه أتى يوما بذكره ، وقال له : يا خوند ، ما يقتل الملوك إلا نوّابهم ، هذا بيدرا قتل أخاك الأشرف ، ولاجين قتل بسبب نائبه منكوتمر ، فتخيّل السلطان من أرغون ، ولما جاء من الحجاز جهزه إلى حلب نائبا . وهو الذي حسّن للسلطان أن لا يكون له وزير بعد الجمالي ، ولذلك بقيت أمور المملكة ترجع إليه ، وهي متعلّقة به من الجيش والأموال والعزل والولاية ، وسمعت أنا من قرمان شخص ، كان كاتبا بصفد أنه جاء مرة إلى القدس ، وكتب هناك ، وتوجّه إلى قمامة ، وكنت خلفه وهو لا يراني ، وهو يمش وينظر إلى تلك الآثار والمعابد ، ويقول :
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا
[ آل عمران : 8 ] . وعلى الجملة فكان للزمان جمال ورونق ، ولما قيل للسلطان : إنه مات ، لعنه وسبّه وقال : له خمس عشرة سنة ما يدعني أعمل ما أريد ، ومن بعده تسلّط السلطان على الناس ، وصادر وعاقب ، وتجرّأ على كل شيء ، وأوصى عند موته للسلطان بأربعمائة ألف درهم ، فأخذ منه ما يزيد على الألف ألف درهم . وكتب إليه شيخنا العلامة شهاب الدين محمود ما أنشدنيه إجازة : ( الخفيف )
في دعاء الإله في كلّ عام * لك فخر تسمو به في الأنام وحجيج البيت المحرّم أنّى * شئته من أسنى المزايا الجسام عاريا من ملابس الذّنب قدما * رافلا في حلى القبول الوشام مع ما تبتنيه ثمّ من الطّا * عات ما بين زمزم والمقام قد ألفت السّرى فلو رمت في أليق * ظة مثوى لسرت في الأحلام
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 34 | خليل الصفدي