تحمّل للممالك كلّ عبء * فقام له قدم الكمال
فأخصبت الممالك بعد جدب * وأنشطت الممالك من عقال
فإن يك آخر الوزراء عصرا * فقد ختمت به الرّتب العوالي
وما برح الحيا قطرا ووبلا * أواخره تنيف على الأوالي
ولم يزل في نصرة مظلوم وإنالة محروم ، إلى أن حوّمت عليه المنية ، وعظمت فيه الرزية ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في نصف شهر رجب سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة ، وكان عمره ثلاثا وسبعين سنة .
وكان قد سمع من الأبرقوهي ، وانتفع به خلق كثير في الدولة الناصرية من الأمراء والنوّاب ، والعلماء والقضاة ، والفقراء والأجناد ، وغيرهم من أهل الشام ومصر ؛ لوجاهته عند مخدومه وإقدامه عليه ، لم يكن لأحد من الترك ، ولا من المتعمّمين مثل إقدامه عليه .
حكى لي القاضي عماد الدين بن القيسراني : أنه قال له يوم خدمة ، ونحن جلوس في دار العدل : يا فخر الدين تلك القضية طلعت فاشوش ، فقال : ما قلت لك إنها عجوز نحس وتكذب ، قال عماد الدين : يريد بذلك بنت كوكاي زوج السلطان ؛ لأنها كانت ادّعت أنها حبلى .
وأما أنا فسمعت السلطان الملك الناصر يقول يوما في خانقاه سرياقوس لجندي وقف بين يدي يطلب إقطاعا : لا تطوّل واللّه لو أنك ابن قلاوون ما أعطاك القاضي فخر الدين خبزا ، يعمل أكثر من ثلاثة آلاف درهم .
وكان قد غضب عليه في وقت ، عندما حضر من الكرك في المرة الثانية ، وطلب القاضي قطب الدين ابن شيخ السلامية من الشام ، وولاه مكانه ، وأخذ منه أربعمائة ألف درهم ، وذلك في شهر ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وسبعمائة ، فأفرج عنه ، وأعيد إلى نظر الجيش شريكا لقطب الدين في جمادى الأولى من السنة المذكورة ، ولما رضي بعد قليل عليه أمر بإعادتها عليه ، قال : يا خوند ، أنا خرجت عنها لك ، فابن بها جامعا ، فبنى بها الجامع الذي في موردة الحلفاء .
وكان في آخر عهده يباشر بلا معلوم ، وأعرض عن الجميع ، وترك الكماجة الحمراء تحضر إليه من المخابز السلطانية ويقول : أتبرّك بها .
وحكي عنه أنه من يوم إسلامه تسمّى بمحمّد ، وأعرض عن النصارى جملة كافية ، فلا يقربه نصراني ، ولا تحوي داره نصرانيا .
وحكي لي شيخنا الحافظ فتح الدين قال : قال القاضي شرف الدين بن زنبور ، وكان خال القاضي فخر الدين هذا ابن أختي ، عمره متعبّد متألّه ؛ لأننا كنا نجتمع على الشراب في ذلك الدّين ، فيتركنا وينصرف ، ونفتقده إذا طالت غيبته ، فنجده واقفا يصلّي ، ولما