تمر الناصري .
كان في حركاته أشبه شيء بالقضيب إذا ماس ، وهبّ به نسيم السحر بارد الأنفاس ، ووجهه كالبدر إذا بدا ، والشمس إذا رام الحائر بها الهدى ، إذا التفت فلا تلتفت إلى الغزال النافر ، ولا تحتج مع جبينه إلى الصّباح السافر ، مع جود من أين للغمام كرمه ، إذا سفح أو البحر نواله ، إذا طفح وخلق كأنه نسيم ورد هبّ في سحره ، وجرّ ذيله المبلول على زهره ، فهو كما قال أبو تمام : ( المتقارب ) .
مليّ بأن يسترقّ القلوب * على هزله وعلى جدّه
وأن يوجد السّحر في طرفه * وأن يجتنى الورد من خدّه
يشفّ القلوب وإن أكذب * الظّنون وأخلف في وعده
بما أشبه البدر من حسنه * وما شاكل الغصن من قدّه
وألسنة الحمد مجموعة * على شكره وعلى حمده
وجرت له بعد أستاذه الناصر أمور ، وكسف بدره وسط الديجور ، وغرب نجما ، ثم بزغ في سماء السعادة قمرا تمّا .
ولم يزل بعد ذلك في مدارج صعود ومطالع سعود ، إلى أن غصّ من بريق السيف بريق ، وأمسكه الأجل في المشيق ، وكانت قتلته في الحادي عشر من شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبعمائة .
ولم يكن عند أستاذه الناصر أحد في منزلته ، ولا من يدانيه في علوّ مرتبته ، قال لي القاضي شرف الدين النشو : لو أن هذا الحجازي يلازم خدمة السلطان ويواظبها ، أخذ منه شيئا كثيرا إلى الغاية .
وقال لي الشيخ شهاب الدين أحمد العسجدي : اجتمعت به ، فرأيت على ذهنه مسائل فقهية ، وقال لي كاتبه مجد الدين رزق اللّه : إنه يلعب بجميع الملاهي بالعود والدفّ وغير ذلك .
وحكى لي أنه يصفّ له ثلاثة أرؤس خيلا ، وأنه يهمز لنفسه ، فيعدّيها في الهواء إلى الأرض من ذلك الجانب ، من غير أن يضع يده على شيء منها .
ولقد رأيته وهو في القاهرة ، وفي صلاة الجمعة مع السلطان بجامع قلعة الجبل ، وما يكاد يستقرّ على الأرض ، لا قائما ولا قاعدا ، لا يزال في حركة يتموّج وينعطف كالغصن ، وكان من محبة السلطان فيه ، ما يدعه ينزل يوم السبت إلى الميدان للعب بالكرة ، بل يدعه ينزل يوم الثلاثاء ، ويلعب بالكرة هو وخاصيّته من الجمداريّة ، الذين يألف بهم ، ويميل إليهم من مماليك السلطان ، وكان يقول له : يا ملكتمر ، لما تلعب تبرقع حتى لا تؤثّر الشمس في