وحججت أنا وهو في عام خمسة وخمسين وسبعمائة ، ولما وصلنا إلى معان مزّق اللّه من الخياط عمره ، وأذهب شعره وشعره ، وأتاه من نائبات المنايا ما بطّل زمره ، فدفنّاه على قارعة الطريق ، وانكفّ ذاك اللسان الذي كأنه مبرد وما حمل التطريق ، وجعلناه سرا مودعا من البرية في صدر ، ووضعنا الشمس في الأرض ليلة البدر ، فلو كان الرفّاء موجودا لرثى الخياط وأبّنه ، ونقله بلبنه الطيب إلى مقبره وجبّنه .
وعلى كل حال فقد راح إلى اللّه وأراح ، وحمل كارة أهاجيه وهو كاره وقلّ من حمل كارة واستراح ، واللّه يسامحه في يوم عرضه ، ويعطّف عليه قلب من أخذ من عرضه ، حتى إنه يسامحه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في معان ليلة الرابع عشر من المحرم سنة ست وخمسين وسبعمائة .
وسألته عن مولده فقال : في شهر رجب سنة ثلاث وتسعين وستمائة بدمشق .
كان في مبدأ حاله يتردد إلى شمس الدين الصائغ ، ويقرأ عليه ، ويجتمع بالمجير الجوخي ، ثم إنه تردد إلى شيخنا العلامة شهاب الدين محمود ، وكتب عنه كثيرا ، وكان يثني عليه ، ويميل إليه .
ونظم في سنة عشرين وسبعمائة قصيدة جيمية مديحا في قاضي القضاة نجم الدين بن صصرى ، وأولها : ( الوافر ) .
أما ولواحظ الحدق السّواج * لقد أصبحت منها غير ناجي
فقرّظها شهاب الدين محمود ، وأثنى عليها ، وكتب عليها فضلاء العصر ، وانصقل نظمه وجاد ، وشعره كثير ، يدخل في ست مجلدات .
وسافر إلى الديار المصرية ، ومدح أعيانها ، واتصل بالأمير سيف الدين الجاي الدوادار ، وكان يبيت عنده ، ومدح السلطان الملك الناصر بأبيات ، قرأها عليه قاضي القضاة جلال الدين القزويني ، فرسم له براتب في كل يوم درهمين .
وأنشدني من لفظه غالب شعره ، لما نظم الشيخ جمال الدين بن نباته قصيدته التائية الطنانة في الشيخ كمال الدين بن الزملكاني - رحمه اللّه تعالى - ، جعل غزلها المقدّم على المدح في الوصف : ( البسيط ) .
قضى وما قضيت منكم لبانات * متيّم عبثت فيه الصّبابات
نظم الشيخ شمس الدين محمّد بن الخياط قصيدة أخرى في وزنها ورويّها ، ومدح بها الشيخ كمال الدين أيضا ، وجاء منها في الآخر ما أنشدنيه من لفظه : ( البسيط ) .
ما شان مدحي لكم ذكر المدام ولا * أضحت جوامع لفظي وهي حانات