ولم يزل على حاله إلى أن خسف بدره في ليلة تمامه ، وأدار الغصن عذبته لنوح حمامه ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في السادس عشر من شهر رجب الفرد سنة ست وأربعين وسبعمائة .
ومولده سنة عشر وسبعمائة .
وهو شقيق أخيه القاضي شهاب الدين ، وخلّف نعمة طائلة ، وعمّر أملاكا مليحة عند قناة صالح داخل باب توما ، وكان أحب الإخوة إلى والده القاضي محيي الدين .
وكان أخوه القاضي علاء الدين ، وهو أصغر سنا منه ، قد أدخله بعد موت والدهما إلى دار العدل ، وجلس في أيام السلطان الملك الناصر محمّد ، ووقّع في الدست ، ولما توجّه القاضي علاء الدين إلى الكرك صحبة الناصر أحمد ، وتسلطن الملك الصالح إسماعيل سدّ هو الوظيفة ، إلى أن عاد أخوه ، ثم إن أخاه جهّزه إلى دمشق صاحب ديوان الإنشاء ، ولما مات - رحمه اللّه تعالى - كتبت إلى أخيه القاضي علاء الدين أعزيه فيه على لسان الأمير عزّ الدين طقطاي الدوادار ارتجالا من رأس القلم وهو :
يقبّل الأرض ، لا ساق اللّه إليها بعدها ، وفد عزاء ولا أذاقها فقد أحبّة ولا فراق أعزاء ، ولا أعدمها جملة صبر تفتقر منه إلى أقل الأجزاء ، وينهى ما قدره اللّه تعالى من وفاة المخدوم القاضي بدر الدين أخي مولانا ، جعله اللّه وارث الأعمار ، وأسكن من مضى جنّات عدن ، وإن كانت القلوب بعده من الأحزان في النار ، فإنا للّه وإنا إليه راجعون قول من غاب بدره ، وخلا من الدست صدره وعمّ مصابه ، فهو يتأسى بالناس وعدم جلده ، فقال للدمع : اجر ، فكم في وقوفك اليوم من باس ، وهذا مصاب لم يكن مولانا فيه بأوحد ، وعزاء لا ينتهي الناس فيه إلى غاية أو حدّ :
علينا لك الإسعاد إن كان نافعا * بشقّ قلوب لا بشقّ جيوب
فما كان الدست الشريف إلا صدرا نزع فيه القلب ، أو نجوما بينما بدرها يشرق نورا إذا به في الغرب ، وما يقول للملوك إلا إن كان البدر قد غاب ، فإن النير الأعظم واف وبيتكم الكريم سالم الضرب ، وإنما أدركه بالوهم خفي زحاف ، وما بقي إلا الأخذ بسنّة النبي صلّى اللّه عليه وسلم في الصبر والاحتساب ، وبتسليم الأمر إلى صاحبه الذي كتب هذا المصرع على الرقاب ، وفي بقائك ما يسلي عن الحزن ، وظلّ مولانا - بحمد اللّه تعالى - باق على بيته وما نقص عدد ، ترجع جملته إلى مولانا وكلنا ذلك الدارج ، واللّه لا يذيقه بعدها فقد قرين ولا قريب ، ويعوّض ذلك ، وقلت أرثيه ، ولم أكتب بذلك لأحد :
لفقدك بدر الدّين قد مسّنا الضّرّ * وأظلم أفق الشّام واستوحشت مصر