اشتغل كثيرا ، ورقى من الحفظ محلا أثيرا ، تفنن في العلوم ، وتفنّد عما سوى ذلك من ملاذ المشارب والطعوم ، وحصّل رأس مال جيد من الفقه وأصوله ، وأنفق ولم يخش ذهاب محصوله .
ولم يزل على حاله إلى أن فار وفاض أجل الفويرة ، وسبق أقرانه وما جدّ في سيرة ، وتوفي - رحمه اللّه تعالى - ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من شعبان سنة خمس وثلاثين وسبعمائة .
وكان له حلقة إشغال في الجامع الأموي عند شباك الكاملية في الحائط الشمالي ، ودرّس بالخاتونية البرانية وبمجلس الرأس ، وخطب بالزنجليّة ، وسمع عن جماعة وحدث .
وكان قد انتشى له ولد تقدير عمره ست عشرة سنة ، وحج وهو صغير مع والده سنة إحدى وعشرين وسبعمائة ، وحفظ الكتاب العزيز ، وسمع الحديث ، وحفظ شيئا من الفقه ، فمات في شهر صفر من سنة خمس وثلاثين وسبعمائة ، ففجع فيه والده وأهله ، وحزن والده عليه حزنا عظيما ، ولم يعش والده بعده إلا هذه المدة اليسيرة ولحقه إلى اللّه - تعالى - .
وكان الشيخ بدر الدين - رحمه اللّه تعالى - رفيقا للقاضي فخر الدين المصري ، يجاريه في الإشغال فنا بعد فن ، خلا أن ذلك كان شافعيا وهذا حنفيا ، وكان كثيرا ما يمشي هو وشمس الدين محمّد بن زين الدين المقرئ الصفدي ، فكان الناس يسمونهما القط والفأر .
وحضرت يوما عنده في حلقة إشغاله ، وأوردت عليه أن لفظة طهور صيغة مبالغة في تكرير الفعل من الفاعل ، مثل صبور وقتول وأكول وشروب ، فكيف يسلب الماء الطهورية بالمرة الواحدة - على ما تقدّم في ترجمة تقي الدين أبي الفتح السبكي - مما نظمته ، وأجاب عنه نظما ، فأعجب الشيخ بدر الدين هذا الإيراد ، وزهزه له ، ولم يجب عنه ، ولم يكن في طباعه مع كثرة علومه وتفننه إقامة وزن الشعر .
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه قال : كان بدر الدين بن الفويرة ينشد قول الشاعر : ( الوافر ) .
معاوي إنّنا بشر فأسجحي * بإثبات الياء بعد الحاء
1818 - محمّد بن يحيى بن أحمد بن سالم « 1 »
الأمير بدر الدين بن الخشاب ، ابن العدل زين الدين القرشي الدمشقي .
هامش
( 1 ) انظر : الدرر الكامنة : 6 / 2134 .