ولم يزل الشيخ محمّد - رحمه اللّه - على هذه الطريق ، إلى أن جاء الأمير سيف الدين طشمر حمّص أخضر إلى حلب نائبا ، فاشترى لزاوية الشيخ أرضا ، ووقفها على الزاوية ، فامتنع الشيخ من ذلك وامتعض ، وارتمى إلى عدم القبول وارتمض ، فقال الأمير : إنما هذا للزاوية ، وليس هو لك ، فبعد لأي ما قبل ذلك وهو غير راض ، ثم إن الأمير سيف الدين طقزتمر لما جاء إلى حلب نائبا أيضا وقف على الزاوية أرضا أخرى ، فاتّسع الرزق بذلك على أولاده ، وفاض الخير عليهم ببركات الشيخ .
ولم يزل على حاله حتى تنبّه الأجل لابن نبهان من رقدته ، وعجّل اللّه له بالرحمة في أول نقدته ، وجاء الخبر بوفاته - رحمه اللّه تعالى - في شعبان سنة أربع وأربعين وسبعمائة ، وصلّى عليه بالجامع الأموي صلاة الغائب .
ولم نسمع عن الشيخ إلا صلاحا وخيرا ، وكان نواب حلب جميعهم يعظّمونه ويجلّونه ويكرمونه ، ويقبلون شفاعاته ، ويعملون بإشاراته ، وكان منقطعا عن الناس منجمعا .
وأخبرني القاضي ناصر الدين « 1 » كاتب السر بدمشق قال : كان الشيخ محمّد كثير التلاوة ، وله كل يوم ختمة ومن يراه يحسبه أنه لا يتلو شيئا .
كتب إليه القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه في جملة كتاب : ( الخفيف )
قيل جبريل منزل لابن نبها * ن محوط بمحكم التّنزيل
قد تبدّى محمّد في رباها * علما للسّائرين وابن السّبيل
بوقار كأنّه اللّيل خوفا * وجبين ينير كالقنديل
ليس يخشى الضّلال من أمّ منه * حضرة أشرفت على جبريل
وأما أنا فلم يتفق لي لقاؤه ، ولكن اجتمعت بولده الشيخ عليّ ، وقدم إلى دمشق متوجها إلى الحج في سنة سبع وأربعين وسبعمائة .
ولما مات الشيخ محمّد قلت أرثيه - رحمه اللّه تعالى - : ( الطويل ) .
تنبّه صرف الدّهر من بعد غفلة * وخصّ ابن نبهان بمطعم صابه
ومات فأحيا الذّكر من بعده الثّنا * عليه كنشر الرّوض غبّ سحابه
فمن لقرى الأضياف من بعد فقده * فقد طالما راق الجنا من جنابه
هامش
( 1 ) أورد له المصنف ترجمة .