الدين أبو اليسر ، ابن قاضي القضاة عزّ الدين أبي المفاخر الدمشقي الشافعي ، المعروف ابن الصائغ ، مدرس الدماغية ، وأخو القاضي نور الدين قاضي قضاة حلب .
سمع كثيرا من أبيه ، وابن شيبان ، والفخر عليّ ، وبنت مكّي وعدة ، وحضر ابن علان ، وحدّث بصحيح البخاري عن اليونيني ، وسمع حضورا من فاطمة بنت عساكر ، وحفظ التنبيه ، ولازم حلقة الشيخ برهان الدين .
وكان دينه متينا ، وتصوّنه مبينا ، طلب لقضاء القضاة بدمشق فامتنع ، وظهرت عليه أمارات الزّمع ، فعظم قدره ، ولزم الناس حمده وشكره ، وكان مقتصدا في لباسه ، وفي أموره بين ناسه ، ودرّس وهو أمرد ، ولم يبال بمن يناظره ، انقضّ عليه أم ردّ ، وحجّ غير مرة ، وفعل في طريقه كل مبرّة : ( الطويل ) .
وكان غريبا في جميع أموره * له بركات في الورى وصلاح
إذا ما ادلهمّ اللّيل قام لربّه * وناجى إلى أن يستنير صباح
ولم يزل على حاله إلى أن أصبح أبو اليسر من الحياة معسرا ، ومكّن الحمام منه مخلبا ومنسرا ،
وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في يوم الجمعة جمادى الأولى سنة تسع وثلاثين وسبعمائة ، ودفن عند قبر والده بسفح قاسيون ، وشيّعه الخلائق ، وحملوه على أكتافهم ، وكانت وفاته بعد قاضي القضاة جلال الدين القزويني بليال يسيرة .
ومولده سنة ست وسبعين وستمائة .
وكان تنكز قد عظّمه ، واعتقد فيه لما امتنع من ولاية قضاء القضاة ، فإنه حمل إليه تقليده وتشريفه بالقضاء بعد القاضي جلال الدين القزويني في نصف شهر شوال سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، وحضر إليه الأمراء والناس ، فامتنع وتغيّر مزاجه ، ثم إن أرباب الدولة عادوا إليه ثانيا ، وأدّيت إليه رسالة الأمير تنكز ، فأصرّ على الامتناع ، فأعيد التقليد إلى مصر ، وزادت عظمته عند نائب الشام ، فولاه خطابة القدس مديدة ، ثم إنه تركها ، ولما كان بالقدس طلبه المقادسة ، ودخلوا عليه بسماع الحديث ، وخرجوا من هذا إلى طلب الشفاعات عند ناظر الحرمين ، فشفع لهم ، وأكثر من ذلك ، فثقل أمره على الناظر ، وشكا في الباطن إلى تنكز ، وقال : هذا يدخل روحه في غير الخطابة ، ويتكلم في الولاية والعزل ، فنقص بذلك قدره عند تنكز ، ثم إنه فيما بعد زار القدس ، فتعلل هناك ، ونقل إلى دمشق ضعيفا ، فأقام أياما يسيرة ، وتوفي - رحمه اللّه - في التاريخ المذكور .