قضى ولم أقض من توديعه وطرا * ولم أكن حاضرا ما بين عوّده
فبات يخذلني صبري وينجدني * دمعي وما خاذل صبّا كمنجده
أخشى على ناظري دمعي فيكحلني * تسهّدي من دجى ليلي بأثمده
مضى وها أنا أقفو إثره وإلى * كم يبطئ المرء أمسى دون مقصده
وساد منها عليّ ما وهى وعلا * محمود في كلّ مجد فوق فرقده
ثلاثة نظموا عقد العلا فغدا * يختال في مجدهم لا في زبرجده
أوصيتهم باصطبار لم أجده ففي * حسن التّبصّر تمهيد لمرقده
فجاده صوب رضوان يسحّ إذا * سحّ العهاد عليه في تغمّده
ولا خلا أفق هذا البيت من شرف * تثني مفاخره أبصار حسّده
يقبّل اليد العالية المولوية ، القضائية الجمالية ، لا زالت جزيلة الثواب ، جميلة المآب ، غنيّة بما منحها اللّه من العلم عن الدلالة على الصواب ، آمنة بحلاوة التلقّي لأمر اللّه بالعدول عن مراجعة التجرّع لصاب المصاب ، وينهى أنه اتصل به ما قدّره اللّه من وفاة المولى السيد الوالد ، تغمّده اللّه برضوانه ، وبوّأه فسيح جنانه ، فأجرى دموعه ونفى هجوعه ، وصدع قلبه وأطار لبّه ، وأطال ألمه وأطاب عدمه ، وألزم الحصر لسانه ، وألقى قلمه ،
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[ البقرة : 156 ] ، امتثالا لأمره ، وصبرا على حلو القضاء ومرّه .
مات واللّه الصّاحب الذي كان للمملوك يعقد على محبته الخناصر ، ويستند من أخوّته إلى نسبة صفاء ثابتة الأواصر ، ويأنس ببقائه ، ويعلل نفسه بلقائه ، فاجتثّ بوفاته أصل الوفا ، وتكدّر بذهابه ورد الصّفا ، وذهب الودّ إلا باللسان ، وتنكّرت بين المعارف وجوه الإحسان الحسان ، وعدمت الرّئاسة رأسها ، وفي الرياسة أكثرها ، وفقدت المعالي عينها ، فلم يبق إلا أثرها ، فلله تلك النفس ما كان أتقاها ، وتلك الشيم ما كان أطهرها وأنقاها ، وذلك اللسان ما كان أقدره على ملكه نطقه ، وألهجه في المقال بحق صدقه ، وذلك النظر ما كان أغضّه عن المحارم ، وأبصره بالمكارم ، وأغضاه عن النقائص والمعايب ، وأشبهه بسمعه عن الإصغاء إلى المذامّ والمثالب .
نضّر اللّه ذلك الوجه الكريم ، ولقّاه نضرة النعيم ، وتقبّل أعماله ، وبلّغه عند القدوم عليه من عفوه سوله ، ومن رضاه آماله ، والمملوك فقد تأهّب المحاب بإخوانه ، ولم يخادع نفسه الحداد عند أوانه ، وإذا تقدّم الرّفاق لم يبق إلا الرحيل على آثارهم ، والاستقرار للنزول معهم في دارهم ، فاللّه يجمعنا في مستقرّ رحمته ، ويجعلنا ممّن جعل الثبات عند الممات من فواتح فضله عليه ونعمته ، على أنه ما فقد من جمال بيته باق ببنيه في الوجود ، ولا عدم من