السلطان الحجوبية ؛ عوضا عن الأمير سيف الدين كرت « 1 » لما قتل ، فعملها عملا صغرت النيابة معه فيها ، وقلّ قدرها لجمع الأمراء عليه والأويراتية والوافدين ، ومد السماك لهم ، وإفاضة الخلع عليهم ، فأهمّ البرجية أمره ؛ خوفا من قوة شوكة سلار ، فأخرج إلى الشام ، وولي نيابة طرابلس فكرهها ، واستعان بالأفرم في الإقالة منها فأقيل ، ثم كانت بينه وبين أسندمر الكرجي نائبها بعده مصاهرة ، كان معين الدين بن حشيش هو الساعي فيها .
واستقر قطلوبك الكبير في دمشق من مقدمي الألوف ، ولم يمش إلا مشي عظماء الملوك من فرط البذخ والتجمل ، وعظم الخدم والحشم والأتباع ، ووفور الحاشية ، وكثرة الغاشية ، مما لا يقوم مغل إقطاعه بثلث الكلفة له ، وكلما طال الزمان ، ومر عليه ازداد في ذلك أمره ، وكان لا يدري من أين مدده ، ولا كيف تنفق يده ، وظهر من الأفرم كراهية له ؛ لأنه بان له تكبره عليه فوقع بينهما ، ودخل الحاج بهادر وبكتمر الحاجب ، وغيرهما من الأمراء بينهما فاصطلحا ، وأوجبوا على قطلوبك الشكران ، فعمل ذلك في المرج .
قال القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه : أنفق فيه ما يقارب الثلاثين ألف دينار ما بين طعام وشراب ، وخلع ، وتقادم للأفرم وحاشيته ، وكانت الضيافة ثلاثة أيام لم ينقطع مددها ، قال : وكنت ممن حضرها ونظرها ، وهي تزيد على الوصف .
قال : والتزم مرة بدرك الرحبة سنة حملا عن الأمراء ، وجر نحو مائة جنيب من الخيل غير الهجن مجللات بالحرير ، ملبسات حلي الذهب والفضة ، جميعها باسمه ورنكه ، وأقام بالرحبة عشرة أشهر غير مسافات طرقه ، وكان يقيم بأكثر الجند المضافين إليه ، فأما جنده فلا يتكلف أحد منهم شيئا في مدة بيكاره ، قال : فحكى لي صاحبنا الشريف ناصر الدين محمد الحسيني - رحمه اللّه تعالى - ، وكان من مضافيه من هذا ما تعجب منه ، وقال لي : كان راتب شرابخانته في شهر رمضان في كل يوم وزن خمسة وعشرين رطلا بالدمشقي من السكر ، وبنى بالرحبة جامعا ، قال : ولما أتى السلطان من الكرك إلى دمشق ، كان لا ينفق في مدة مقامه بدمشق تلك الأيام إلا من خزائنه وسفره ، إلى أن دخل إلى مصر ، وهو من دمشق على وظيفة الأستاذ دارية ، ثم أخرجه إلى صفد نائبا ، فأقام بها إلى أن أمسكه .
وكان قطلوبك بغا يعاني زي المغل في لبس الكنبك ، والطرز بين كتفيه ، وركوب الأكاديش غالبا ، وكان أسمر شديد السمرة ، بطينا حسن الصورة ، يكتب خطا جيدا قويا ، وله إلمام ببعض عربية ، وفقه وحديث ، وعنده تندير ، وولع على سبيل اللعب ، وله شعر منه ما عمله في مجلس الأفرم في ساق يسقيهم القمز ، فقال : ( الهزج )
هامش
( 1 ) ستأتي ترجمته في موضعها .