عليهم الأمير سيف الدين أوران الحاجب ، وهو عند تنكز بمحل كبير ، فأخذ الفخري الهياب ، وقام وقال : عندك يا أمير ، فلم يقبله ، فألحّ عليه ، فلم يوافقه ، فقال تنكز : عندي يا أمير أنا أحق بك ، واللّه يا أمراء ما عند أستاذنا أكبر منه ولا أعزّ ، ولو وطأ نفسه قليلا ما كان عند أستاذنا فينا أحد يصل إلى ركابه ، وأخذ في الثناء عليه والشكر منه ومنها ، وكان الواقع وانتحس أوران بها ، إلى أن مات ، وكان إذا شفع عنده ما يرده ، ولم يزل إلى ترضى له السلطان ، وكان بعد ذلك يحضر إليه الخيل والجوارح ، وغيرها من السلطان .
ولم يزل في دمشق على هذا الحال ، إلى أن كتب السلطان إلى الفخري في الباطن في إمساك تنكز ، وقال له : يا ولدي ، ما خبأتك إلا لهذا اليوم ، أبصر كيف تكون ؟ ، وهذا من راح معه راح بلا دنيا ولا آخرة ، فاجتمع هو والأمراء بدمشق ، وخرجوا إلى الأمير سيف الدين طشتمر ، وأمسكوا تنكز - على ما تقدّم في ترجمته - فنظر إليه تنكز ، والتركاش في وسطه ، فقال له : يا فخري ، لا إله إلا اللّه ، وأنت الآخر بالتركاش ! فقال : ما شد إلا في يومه ، ثم إنه أقام بعده بدمشق إلى أن حضر الأمير سيف الدين بشتاك ، وأخذ حواصل تنكز وخزائنه ، وتوجّه بها ، ثم توجّه الفخري إلى مصر بطلبه ، وعظّمه السلطان زائدا ، ولم يزل في أعز مكانة إلى أن توفي السلطان الملك الناصر ، فأظهر الميل إلى قوصون ، وكان معه على بشتاك ، وحضر إلى الشام ، وحلف العساكر الشامية للمنصور أبي بكر ، وذلك أيام الأمير علاء الدين الطنبغا ، ونزل في القصر ، وخرج الناس لملتقاه ، ودعوا له ، وخصصوه بالدعاء دون الطنبغا ، وقدم له الأمراء بدمشق ، وعاد إلى القاهرة .
ولما جرى للمنصور ما جرى ، وخلعوه وملّكوا الأشرف علاء الدين كجك ، وجعلوا الأمير سيف الدين قوصون ، مال الفخري إلى قوصون ميلا عظيما ، وقام بنصره ، وطلب قوصون من يتوجّه إلى الكرك ؛ ليحاصر أحمد ، فلم يجسر أحد غير الفخري ، فخرج هو والأمير سيف الدين قماري في ألفي فارس إلى الكرك ، وحاصر أحمد ، ووسط جماعة من أهل الكرك ، وبالغ وربما أفحش في خطاب الناصر أحمد ، فحقدها عليه ، ثم لما بلغ الفخري أن الطنبغا نائب دمشق توجّه إلى حلب ؛ لإمساك طشتمر نائبها ، وخلت دمشق من العسكر حضر الفخري إلى دمشق ، وترك الكرك ، وخرج أهل دمشق إليه وتلقّوه ، ودعوا له فدخلها ، ونزل على خان لاجين ، واقترض من مال الأيتام مبلغ أربع مائة ألف درهم ، ونفق فيمن معه من العسكر ، ولحق الأمير بهاء الدين أصلم - ، وهو على قارا - بعسكر صفد ؛ ليلحق الأمير علاء الدين الطنبغا إلى حلب ، فبعث إليه الفخري وردّه ، وطلب الأمراء الذين تخلّفوا في بر دمشق فحضروا إليه ، وأقام بخان لاجين ، وكتب إلى الأمير سيف الدين طقزتمر نائب حماة ، فحضر إليه ، وتلاحق الناس به ، ولما حضر طقزتمر إليه قوي جأشه ،
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 74
مساهمون: خليل الصفدي
ص٧٤