تخطي إلى المحتوى الرئيسي

أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 73

مساهمون:

ص٧٣
ويحلو مع الخطّيّ من كلف به * ويحسبه قدّا فيوسعه ضمّا
وكان الناس يظنون به أنه فارس صيد لا فارس حرب وكيد ، وأنه حامل راية كأس ، لا حامل راية القنا الدعاس ، إلى أن قام في ناصر أحمد الناصر ، وشهدت له بالفروسية والثبات الأواصر ، وظهر عن تدبير ساعدته عليه المقادير ، وثبت في وقت اللقاء ثبات الأنجاد المغاوير ، وثبت للقاء جيش الشام بمجموعه ، ورزقه اللّه النصر من أول طلوعه ، وكان هو في دون الألفي فارس ، وخصمه في أكثر من عشرين ألفا إلا أنهم في عداد الأطلال الدوارس ، وكان يوما عظيما في النصر ، ومشهدا تفوت عجائبه العد والحصر ، وسار الطنبغا في بيداء سملق ، وسار الفخري ، ونزل القصر الأبلق . ولكن قلبت هذه السعادة إلى تعاسة ، فصلت عن جسده رأسه ، وقطعت من الحياة أمراسه ، وقتل صبرا ، وألقي على الأرض شلوا لا يودع قبرا ، فسبحان من بيده تصاريف الأمور ، وبأمره الحبور إلى الثبور ، وكانت قتلته بظاهر الكرك في أول المحرم سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة . كان من أكبر مماليك السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون من رفعة الأمير سيف الدين أرغون الدوادار ، ولم يكن لأحد من الخاصكية ، ولا من غيرهم إدلاله على السلطان ، ولا فيهم من يكلّمه بكلامه ، ويرد عليه الأجوبة الحادة المرة ، وهو يحتمله ، وقد تقدّم شيء من ذكره في ترجمة أخيه الأمير سيف الدين طشتمر حمص أخضر . لم يزل عند السلطان أثيرا عالي المكانة ، إلى أن أمسكه في نوبة إخراج أرغون النائب إلى حلب في سنة سبع وعشرين وسبعمائة ، وكان الفخري ممن يكره الأمير سيف الدين تنكز ، ويحط عليه ، وهو الذي ساعد الأمير حسين بن جندر عليه ، يقال : إنه توجّه مرة إلى بابه ، وأقام - فيما قيل - من بكرة إلى الظهر ، حتى أذن له في الدخول ، ولما أخرجه السلطان معه إلى الشام في شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين وسبعمائة شد الشلو في وسطه ، وكان يركب في خدمته ، ويترجّل قبل نزوله ، ويمشي في ركابه بالخف من غير سرموزة ، ويحصل الصيد بين يديه ، ويطعم طيوره ، ولم يزل يدخل في قلبه بالخدمة إلى أن أحبه ، قيل : إنه كان له واحد واقفا دائما بدار السعادة ، متى قدمت فرس تنكز للركوب توجّه إليه ، وأعلمه ، ويكون هو قاعدا متأهّبا للركوب فيركب ، ويقف ينتظره ، فأحبّه محبة شديدة ، حتى لم يبق عنده بدمشق أعزّ منه ، وقال تنكز عن الفخري : واللّه لو خدم أستاذه عشر هذه الخدمة ما كان أحد منا نال مرتبته . كان يوما في ضيافة الأمير صلاح الدين بن الأوحد « 1 » ، وقد شربوا القمز ، فدخل
هامش
( 1 ) ستأتي ترجمته في موضعها .