من بياض ثيابه حمامه ، له قعدد في جلوسه ، وتسدد في ناموسه ، وكذا إذا مشى ، لا يلتفت ، ولو زحمه الليث ، والرشا . وإذا كان في حالة تصدره للقراءة يتلبس بالتوفر على التوقر ، والأناة لا يتنحم ، ولا يتلفت لا يعير بصره ، وسمعه ، غير من يقرأ عليه إن عطس أو شمت مشغولا بمن قد أمه قدامه مجموع الحواس على القارئ الذي جعله إمامه أمامه : ويبقى على مر الحوادث صبره ، ويبدو كما يبدو الفرند على الصقل .
ولم يزل على حاله إلى مات به شاطبيّ عصره ، وأنزل إلى قعر لحد من علو مجده في قصره .
ومولده سنة ثمان وستين وستمائة .
واشتهر عنه أنه كان لا يأكل اللحم إلا مصلوقا ، والحلاوة السكرية لا غير . وقيل إنه لم يأكل المشمش في عمره ، ومن شعره في المشمش : ( السريع )
قد كسر المشمش قلبي ، ولم * أكسر له لمّا أتى قلبا
لسعره الغالي ، وعسري معا * وأستحي أن ألقط الحبّا
وكان له ملك يرتفق بمصالحه ، ولم يتناول من الجهات درهما ، ولا طلب جهة كمال أهليته .
وكان يدخل الحمام ، وعلى رأسه قبع لباد غليظ إذا تغسل رفعه ، وإذا أبطل قبل الماء أعاده ، فأفاده ذلك ضعفا في بصره ، وكان طيب النغمة .
دخل يوما هو والشيخ نجم الدين القحفازي في درب العجم ، وفيه ظروف زيت ، فعثر في أحدها فقال نجم الدين : تسعنا في ظرف المكان . فقال له الشيخ بدر الدين : لا بل تمشي بلا تمييز فقال : إن ذا حال نحس .
وقد أجاز لي - رحمه اللّه تعالى - جميع ما صنفه ، ونظمه بخطه سنة ثمان وعشرين وسبعمائة .
وأنشدني شمس الدين محمد الخياط الشاعر قال : أنشدني من لفظه لنفسه : ( الخفيف )
كلّما اخترت أن ترى يوسف الحس * ن فخذ في يمينك المرآتا
لا يذوق الرّقاد شوقا إليه * قلق القلب لا يطيق ثباتا
قلت : كان الشيخ بدر الدين - رحمه اللّه تعالى - لما سمع كلام الناس في كلامه هذه المادة مثل قول القائل : ( السريع )
ما أخذ المرآة في كفّه * ينظر فيها للجمال المصون
إلا رأى الشّمس ، وبدر الدّجى * ووجهه في فلك يسبحون