ذلك أتم قيام ، وسد وظائفه كلها على أحسن نظام ، ولبس تشريفا في دمشق ، وألقى به الدرس في العادلية في حياة جده سنة ست وخمسين وسبعمائة وعمره يومئذ دون الاثنتي عشرة سنة .
وعلى الجملة فكان من نجباء الأبناء ، ولكن جاءه أجله مبكرا .
ولما مات توجه والده إلى الحجاز ، ولحق بالركب الرحبي ، ولم يلق بعده قرارا ، وضاقت رحاب القاهرة به وهو معذور في هذا الولد ، إذا ضاقت به الأرض فضلا عن البلد ، وكتبت إلى عمه قاضي القضاة تاج الدين أعزيه بقصيدة هي : ( السريع )
الموت ختم يا أبا حاتم * وغير مستثنى بنو آدم
وليس تنجو من ورود الرّدى * لا نفس مخدوم ، ولا خادم
وكلّ عمر فله عروة * لا بدّ أن تفضي إلى فاصم
والموت يقظان لهذا الورى * وكلّنا في غفلة النّائم
كالذود في الرّعي به غفلة * عن ملتقى جزاره الغاشم
وكلّنا يسعى إلى غاية * لا بدّ من إدراكها اللازم
ونشرب الكأس اللتي ذقتها * من كفّ ساق للمنى حاسم
وقد تساوى النّاس في شربها * تأتي على المحسن ، والجارم
لهفي على نجمك لمّا هوى * وليل شعر للصّبا فاحم
لهفي على علمك ذاك الّذي * قد كنت فيه ندرة العالم
ودرسك الفقه الّذي قال في * ه النّاسي ما دار على الدّارمي
كأنّ من جدّك فيه غدا * جدّك يمليه على الرّاقم
كذلك التّفسير قالوا أبو * حيّان حيّ أو أبو حاتم
تملي عليه خطبا شجّها * كالدّرّ يزهى في يد النّاظم
فصاحة يعجب من لفظها ال * جاحظ ، والرّاغب ، والحاتمي
وأنت في أعلاه قمريّة * وذاك مثل الغصن النّاعم
فما لنا اليوم ، ولا للعلا * ولا دروس العلم من راحم
وكلّنا بعدك في ضيعة * كالذّود إذ أمسى بلا سائم