كأنّها إذ تابعت صفوفها * ركائب عنها الرّحال لم تحط
إذا قفاها سمع ذي صبابة * مثلي تقاضاه الغرام ، ونشط
فقم بنا نرفل في ثوب الصّبا * إنّ الرّضا بتركه عين السّخط
والتقط اللّذّة حيث أمكنت * فإنّما اللّذّات في الدّهر لقط
إنّ الشّباب زائر مودّع * لا يستطاع ردّه إذا فرط
أما ترى الكركيّ في الجوّ ، وقد * نغّم في أفق السّماء ، ولغط
أنساه حبّ دجلة ، وطيبها * مواطنا قد زقّ فيها ، وقمط
فجاء يهدي نفسه ، وما درى * أنّ الجياد للحروب ترتبط
من كلّ سبط من هدايا واسط * جعد التّلاع منه في الكعب نقط
أصلحه صالح باجتهاده * وكلّ ذي لبّ له فيه غبط
حتّى إذا حرّ حزيران خبا * وتمّ تمّوز ، وآب ، وشحط
وجاء أيلول بحرّ فاتر * في نضج تعديل الثّمار ما فرط
أبرز ما أحرز من آلاته * وحلّ من ذاك المتاع ما ربط
ومدّ للصّنعة كفّ أوحد * منزّه عن الفساد ، والغلط
وظلّ يستقري بلاغ عودها * فنبّر الأطراف ، واختار الوسط
وجوّد التّدقيق في لحامها * فأسقط الكرشات منه ، والسّقط
ولم يزل ينقلها مراتبا * تلزم في صنعته ، وتشترط
فعند ما أفضت إلى تطهيرها * صحّح دارات البيوت ، والنّقط
حتّى إذا قمّصها بدهنها * جاءت من الصّحّة في أحلى نمط
كأنّها النّونات في تعريقها * يعوج منها بندق مثل النّقط
مثل السّيور في يد الرّامي فلو * شاء طواها ، وحواها في سفط
لو يقذف اليمّ بها مالكها * ما انتقض العود ، ولا الزّور انكشط
كأنّما بندقها نيازك * أو من يد الرّامي إلى الطّير خطط
من كلّ محنيّ الضّلوع مدمج * ما ، وهم الباري بها ، ولا فرط
أعيان العصر وأعوان النصر — صفحة 57
مساهمون: خليل الصفدي
ص٥٧