على من سواه ، واغتصاب ما سبقته إليه غيره وما حواه ، ولا يعف عما هو لمن تقدّمه أو عاصره ، أو استسلم له أو حاصره ، وبهذه الخلة نقص ، ولولاها صفق له الزمان ورقص .
ولم يزل في حلب يتولى القضاء في تلك النواحي ، وتبكي الغمائم لفراقه ، وتبتسم لقدومه ثغور الأقاحي ، إلى أن ترك الولايات ورفضها ، وعاد على أحكامها ونقضها ، وأرصد نفسه للإفادة ، وتلفّع برداء الزهادة ، واختص بسيادة العلم وهي السيادة ، وتخرّج به جماعة وتنبّهوا ، وحاكوا طريقه وتشبهوا ، إلى أن افترس الوردي ورد المنية ، وأصبح في حفرة القبر من وراء الثنية .
وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في السابع عشر من ذي الحجة سنة تسع وأربعين وسبعمائة في طاعون حلب .
وتوفي أخوه القاضي جمال الدين يوسف قبله بقليل .
وكان الشيخ زين الدين - رحمه اللّه تعالى - قد رأى عجائب الطاعون في حلب ، فعمل فيه رسالة أنشأها ، وأبدعها وسمّاها : النبأ في الوبا ، ولكنه ختم به الوبا ، وفجع الناس فيه .
وقلت أنا فيه لما بلغتني وفاته : ( البحر السريع )
لئن ذوي الورد * هذه الدّنيا لقد أينع في الخلد
وإنّما أوحش ربع النّهى * والفضل في نقص وفي ردّ
والعلم روض ملّه رونق * لأنّه خال من الورد
وكنت قد كتبت إليه من دمشق في جمادى الآخرة سنة أربعين وسبع مائة :
( المتقارب )
سلام على الحضرة العالية * سلام امرئ نفسه عانية
لأنّ لها رتبة في العلا * ذوائبها في السّما ساميه
ويؤنس من غدا يجتني * قطوف مسرّاتها دانيه
أيا عمر الوقت أنت الّذي * كراماته في الورى ساريه
ويا بحر علم طمى لجّه * فكم جاءنا عنه من راويه
ويا فاضلا أصبحت روضة ال * علوم بتحقيقه زاهيه
تقدّمت في النّظم من قد مضى * لأنّك في الذّروة العالية
ورخّصت أسعار أشعارهم * كأنّ مدادك من غاليه