كان رجلا خيّرا ، مضيء القلب نيرا ، يعبر الرؤيا ويتكلم عليها مناسبا ، ويجيد فهمها حاسبا .
وينظم القريض ، ويأتي به مثل زهر الروض الأريض ، وكان كثير الاتضاع ، غزير مادة الإمتاع ، قد صحب الفقراء زمانا ، وحفظ من كلامهم لؤلؤا وجمانا ، وسافر البلاد ، وعلم منها ومن أهلها الطارف والتلاد .
ولم يزل على حاله ، إلى أن انفسد مزاج صالح ، وتلقاه العيش بعد بشره بوجهه الكالح .
وتوفي - رحمه اللّه تعالى - سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة في السادس عشر من شهر ربيع الأول .
ومولده سنة ثمان وثلاثين وستمائة .
أنشدني شيخنا الذهبي قال : أنشد المذكور قصيدته السائرة ذات الأوزان ، وهي :
دائي ثوى بفؤاد شفّه سقم * لمحنتي من دواعي الهمّ ، والكمد
بأضلعي لهب تذكو شرارته * من الضّنى في محلّ الرّوح من جسدي
يوم النّوى ظلّ في قلبي له ألم * وحرقتي وبلائي فيه بالرّصد
توجّعي من جوى شبّت حرارته * مع العنا قد رثى لي فيه ذو الحسد
أصل الهوى ملبسي وجدا به عدم * لمهجتي من رشا بالحسن منفرد
تتبّعي وجه من تزهو نضارته * لمّا جنى مورثي وجدا مدى الأمد
مودّعي قمر تسبي إشارته * إذا رنا ساطع الأنوار في البلد
مهدي الجوى مولع بالهجر منتقم * ما حيلتي قد كوى قلبي مع الكبد
لمصرعي معتد تحلو مرارته * يا قومنا آخذ نحو الرّدى بيدي
قلبي كوى مالك في النّفس محتكم * لقصّتي ، وهو سولي ، وهو معتمدي
مروّعي سار لا شطّت زيارته * لمّا انثنى قاتلي عمدا بلا قود
قلت : يقال إن هذه القصيدة تقرأ على ثلاثمائة وستين وجها .
وقد نظم الناس في هذا النوع قديما وحديثا وأكثروا ، وأحسن هذا النوع ما لم تظهر الكلفة عليه ، ويكون عذبا منسجما ، وأقدم ما يوجد من هذا النوع قول أبي الحسن أحمد بن سعد الكاتب الأصبهاني ، وكان بعد العشرين والثلاث مائة ، وهو :
وبلدة قطعتها بضامر * خفيدد عيرانة ركوب
وليلة سهرتها لزائر * ومسعد مواصل حبيب