الزّهر ، وإن تنازلنا قلنا الزّهر ، قادر على النظم ، تنزل سكين فيه إلى العظم ، ويأتي منه بما يشرف الأسماع ويشنّفها ، ويحكم على المعاني فيتنزل على مراده ويصرّفها ، يترسّل فلا يعثر له جواد قلم في ميدان إنشائه ، ويستقي المعاني الغويصة من قليب الفكر على قصر رشائه ، رأيت بخطّه الحاجبية ، وقد علق في آذان حواشيها أقراطا ، وأتى فيها بفوائد تدلّ على أنه من أئمة هذا الفن فيما تعاطى .
أخبرني القاضي شهاب الدين فضل اللّه قال : أخبرني جمال الدين بن رزق اللّه قال :
كان عندنا ليلة في مجلس أنس ، وقد أخذت السّلاف « 1 » منه مأخذها ، إلى أن صار في غيبة عن وجوده ، وذكرنا له واقعة المسلمين على شقحب ، ونصرتهم على التتار ، وقلنا له : لو نظمت في هذا شيئا ، فأخذ الدواة ونظم قصيدة تتجاوز التسعين بيتا فائية ، ومدح فيها السلطان ، قال : فأعجبتنا ، وقمنا آخر الليل ورحنا إلى الحمّام ، فلمّا أفاق وصحا ، وأجرينا له ذكر القصيدة ، فأنكر وقوعها ، وحلف أن هذا أمر لم يبد منه ، فقلنا له : هذه قصيدة فائية أوّلها :
برق الصوارم للأبصار يختطف
فقال : أروني إيّاها ، فأوقفناه عليها فأعجبته وزاد إعجابنا بها ، قال ابن رزق اللّه :
وقمت وأخذتها ، وأتيت بها إلى والدك القاضي محيي الدين ، فلمّا وقف عليها أعجبته ، وأوقف عليها أخاه عمّك القاضي شرف الدين بن فضل اللّه فأعجبته ، وكانت سببا ؛ لأن استخدمه كاتب إنشاء بطرابلس .
قلت : وهذه قصيدة بديعة في بابها ، وسوف أوردها - إن شار اللّه تعالى - في ترجمة السلطان الملك الأعظم الناصر محمد بن قلاوون .
ولم يزل الطيبي في طرابلس على حاله ، إلى أن صار الطيبي في قبره جيفة ، ولم يجد الحمام من حدّ لسانه خيفة .
وتوفى - رحمه اللّه تعالى - بطرابلس في شهر رمضان سنة سبع عشرة وسبعمائة .
ومولده في عشر ذي الحجة سنة تسع وأربعين وستمائة . ومن شعره ( الخفيف )
لست أنسى الأحباب ما دمت حيّا * إذا نووا للنّوى مكانا قصيّا
وتلوا آية الدّموع فخرّوا * خيفة البين سجّدا ، وبكيّا
فبذكراهم تسحّ دموعي * كلّما اشتقت بكرة ، وعشيّا
هامش
( 1 ) السّلاف : ما سال من عصير العنب قبل أن يعصر وتسمى الخمر : سلافا وسلافة كل شئ عصرته .
( انظر : مختار الصحاح : 1 / 130 ) .