إلى أن ألّمت بي من الفضل نفحة * فأصبحت عن كلّ الشواغل مصروفا
وفارقت إخوان الصفا متجنبا * وثقّفت نفسي في الرياضة تثقيفا
ودمت على حسن العبادة عاكفا * وأصبح حسن الظنّ حولي معكوفا
فأورثني عزا لدى الناس عفتي * فصرت بأفواه المحبّة مرشوفا
فلما أبت إلا النكاح خواطري * تجشمت أمرا غادر الدمع مذروفا
ولم أر بدا من معاشرة الورى * فعاشرت قوما لا يغيثون ملهوفا
فأبغضني من كان منهم يحبني * وأوسعني لوما شديدا وتعنيفا
وأعرض عن ودّي حميم وصاحب * وأرجف فيّ « 1 » الحاسدون الأراجيفا
كأنّي قد أظهرت للناس بدعة * وأحدثت للدين الحنيفيّ تحريفا
على أنني لم أبد للناس صفحتي * وما زلت في ثوب الصيانة ملفوفا
فما صحّ لي فقر وما صحّ لي غنى * بل ازددت في علم التقلّب تعريفا
وعدت أجيل الفكر فيمن أعده * يكون به ما بي من الضيم « 2 » مكشوفا
فلم أر لي كالصالحين وسيلة * ألذّ الورى عرفا وأطيب معروفا
رجال إذا ما طبّق الأرض حادث * رموه بصدق العزم فانجاب مكسوفا
أتتهم عليّات الأمور مطيعة * وأضحى بهم قلب المكارم مشغوفا
هم القوم لا يشقى الجليس لديهم * ولم يعدموا العافين بشرا وتضييفا
هم العروة الوثقى وهم أنجم الهدى * بهم يحفظ اللّه المهامه والسيفا
أعزّاء محروس الجناب فناؤهم * تخطّف من ناواهم الذلّ تخطيفا
إذا ظهروا للدهر أورق عوده * وأصبح مجنيّ المحاسن مقطوفا
وإن هجروا المأنوس أصبح مقفرا * وإن نزلوا بالقفر تحسبه ريفا
إذا وجدوا في الوقت كانوا طرازه * وقد طرّزوا من قبل ذاك التصانيفا
صفاتهم أسنى من الشمس في الضحى * وأحسن من درّ المراسيل مصفوفا
هامش
( 1 ) ص : بي في .
( 2 ) ص : الظيم .